أخيرًا، كسر أسعار الذهب سلسلة الخسائر التي لازمته أسبوعين كاملين. خلال تعاملات الجمعة 9 أكتوبر 2026، عاد المعدن الأصفر إلى الارتفاع بقوة؛ إذ صعدت العقود الآجلة للذهب في بورصة نيويورك بنسبة 1.4% لتصل إلى 4216.70 دولارًا للأونصة في مستهل التعاملات الأوروبية، وفق صحيفة وول ستريت جورنال، بينما قفز عقد ديسمبر في بورصة كومكس بنسبة 1.56% إلى 4221.80 دولارًا للأونصة. وفي السوق الفورية، دارت الأونصة حول 4144.05 دولارًا بارتفاع 0.3%، كما صعدت الفضة 0.6% إلى 59.54 دولارًا للأونصة، بحسب فوربس أوروبا عن بلومبرج.
ما الذي دفع أسعار الذهب للارتداد؟
الشرارة الأبرز جاءت من البيت الأبيض؛ فقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن واشنطن تجري “مناقشات مثمرة” مع إيران، وإنه لن يهاجمها قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر. هذه التصريحات خفّضت منسوب التوتر الجيوسياسي الذي ظل يخيم على الأسواق، ودفعت الذهب إلى التعافي من أدنى مستوى له في شهرين. وهنا تتكرر القاعدة التي يعرفها كل متعامل في السوق: كلما هدأت المخاطر الجيوسياسية وتراجعت العوائد، وجدت الأموال طريقها إلى المعدن الأصفر.
العامل الثاني جاء من سوق السندات؛ فقد شهد مزاد قوي لسندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا إقبالًا لافتًا، ما دفع العوائد طويلة الأجل إلى التراجع وخفّض من جاذبية السندات كمنافس للذهب الذي لا يدرّ عائدًا. ومع تراجع الدولار الأمريكي بالتزامن، أصبح الذهب أرخص لحاملي العملات الأخرى، وهو ما شجّع عمليات شراء واسعة في التعاملات الصباحية.
أما رسائل الاحتياطي الفيدرالي فجاءت محسوبة بعناية. رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، ألبرتو موساليم، قال يوم 8 أكتوبر إن أسعار الفائدة الأمريكية ينبغي أن ترتفع خلال 6 إلى 9 أشهر المقبلة لإعادة التضخم إلى مستهدف 2%، لكنه توقف عند هذا الحد ولم يؤيد زيادة الفائدة في اجتماع أكتوبر الجاري. وترجمة السوق لذلك — وفق أداة “سي إم إي فيدووتش” — واضحة تمامًا: 19% فقط احتمال رفع الفائدة في أكتوبر، مقابل 83% لرفعها في ديسمبر. وبهذا تجنّب الذهب الضربة التي كان سيتلقاها من تشديد مبكر، بينما يبقيه التهديد المؤجل لشهر ديسمبر في حالة ترقّب حذر.
وفي خلفية المشهد، تواصل المؤسسات الكبرى تكديس المعدن. أظهرت أبحاث بنك “إيه إن زد” أن بنك الشعب الصيني زاد حيازاته من الذهب للشهر الثالث والعشرين على التوالي، بينما ارتفعت حيازات صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب عالميًا بنسبة 0.3% هذا الأسبوع، في ما قد يكون المكسب الأسبوعي الثاني عشر على التوالي، بحسب المحللة فيديكا نارفيكار من شركة أناند راثي — وهو ما يشير، وفق تقرير نشرته “سي إن بي سي تي في 18” عن وكالة “بي تي آي”، إلى عودة شهية المؤسسات الاستثمارية الكبرى للمعدن الأصفر.
ويترقب المستثمرون اليوم أيضًا القراءة الأولية لمؤشر جامعة ميشيجان لثقة المستهلك الأمريكي، بينما يظل المحفز الأكبر المقبل هو بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي (CPI) المقررة في 14 أكتوبر، والتي ستحدد بقوة مسار الفيدرالي حتى نهاية العام.
أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026
على المستوى المحلي، أغلقت أسعار الذهب في السوق المصرية تعاملات الجمعة على استقرار واضح، في انتظار أن يصل أثر الارتداد العالمي إلى محلات الصاغة خلال الأيام المقبلة. وسجّل عيار 21 — الأكثر تداولًا في مصر — نحو 6100 جنيه للجرام (6115 للبيع و6095 للشراء وفق بعض المصادر)، بينما بلغ عيار 24 نحو 6973 جنيهًا للجرام (6989 للبيع و6966 للشراء)، وعيار 18 نحو 5220 جنيهًا (5241 للبيع و5224 للشراء)، وعيار 14 نحو 4053 جنيهًا للجرام.
وبلغ سعر الجنيه الذهب (وزن 8 جرامات من عيار 21) نحو 50 ألف جنيه في أغلب محلات الصاغة، بينما أوردت بعض المصادر 48,923 جنيهًا كسعر شراء، علمًا بأن الأسعار النهائية تختلف من محل لآخر بإضافة المصنعية والدمغة والضرائب.
هذا الاستقرار المحلي يأتي بعد يوم متقلب؛ فقد كان الذهب قد تراجع أمس الخميس إلى أدنى مستوياته منذ أغسطس، قبل أن يرتدّ الذهب عالميًا ليستقر قرب 4178 دولارًا للأونصة ثم يواصل صعوده اليوم. ويظل التسعير المحلي رهين معادلة بسيطة لكنها حاكمة: سعر الأونصة العالمية مضروبًا في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، مضافًا إليه فارق المصنعية والدمغة. وبالتالي، كلما ثبت الصعود العالمي فوق مستوى 4200 دولار، انتقل الضغط صعودًا إلى أسعار المشغولات والسبائك محليًا — ما لم يعوّضه تحسّن في قيمة الجنيه.
ويلاحظ المتعاملون أن الفجوة بين سعري البيع والشراء ما زالت معقولة (نحو 20 جنيهًا في عيار 21)، وهو ما يشير إلى هدوء نسبي في السوق المحلية، بينما يُقبل قطاع واسع من المصريين على الجنيه الذهب والسبائك الصغيرة كملاذ آمن وحفظ للقيمة وسط ضغوط التضخم. وتجدر الإشارة إلى أن الذهب، رغم تعافيه الحالي، ما زال مرتفعًا بنحو 0.7% فقط منذ بداية أكتوبر، ومنخفضًا 3.1% منذ بداية العام — أي أن الارتداد الحالي لم يمحو بعد خسائر الشهور الماضية، وهو ما يفرض الحذر في قراءة المشهد.
وكانت أسعار الذهب قد شهدت ضغوطًا حادة في الأيام السابقة، حين هبطت إلى أدنى مستوياتها منذ أغسطس تحت وطأة قوة الدولار وتوقعات تشديد نقدي أسرع، قبل أن تنقلب الصورة اليوم بدعم العوامل المذكورة.
تحليل الفلوس
ما حدث اليوم ليس مجرد ارتداد تقني بعد هبوط؛ إنه أول إشارة حقيقية منذ أسبوعين على أن سوق الذهب العالمية تستعد لدورة جديدة. النقطة الحاسمة أن العوامل الثلاثة التي دفعت الصعود — تهدئة التوترات الأمريكية الإيرانية، وتراجع عوائد السندات طويلة الأجل، وتردد الفيدرالي في تشديد أكتوبر — كلها قابلة للاستمرار في المدى القصير، لكنها قابلة للانعكاس في أي لحظة. من يشتري الذهب اليوم وسعر عيار 21 عند 6100 جنيه عليه أن يفهم أنه يشتري قرب مستوى نفسي مهم عالميًا هو 4200 دولار للأونصة، وأن أي تصريح متشدد من مسؤولي الفيدرالي أو بيانات تضخم أعلى من المتوقع في 14 أكتوبر قد تعيد الأسعار أدراجها بسرعة.
بالنسبة للمدخر المصري، الصورة واضحة: الذهب ما زال أداة الحفظ الأهم والأكثر سيولة، لكن التوقيت يصنع الفرق. من كان ينوي الشراء للادخار طويل الأجل، فالاستقرار الحالي حول 6100 جنيه لعيار 21 يمثل نقطة دخول معقولة بعد موجة الهبوط، خصوصًا أن استمرار مشتريات البنوك المركزية — وعلى رأسها الصين للشهر الثالث والعشرين تواليًا — يضع أرضية صلبة تحت السوق يصعب كسرها. أما المضارب قصير الأجل فعليه أن يتعامل مع يوم 14 أكتوبر كأهم حدث في الأجندة، ثم مع اجتماع الفيدرالي في ديسمبر، لأن رهان السوق بنسبة 83% على رفع الفائدة وقتها يعني أن الذهب لم يخرج من عنق الزجاجة بعد، وأن أي مفاجأة في اتجاه التشديد ستعيد الضغط على الأسعار.
والعامل الذي لا يقل أهمية: أبقِ عينك على سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، لأن الذهب في مصر سلعة مستوردة التسعير؛ فأي تراجع إضافي في الجنيه يعني أن الصعود العالمي سيتضاعف أثره محليًا، وأي تحسّن سيخفف الضغط على محفظة المشتري. الخلاصة أن الذهب اليوم في منطقة ترقب حقيقية، وأن الفرق بين صفقة ذكية وصفقة مكلفة سيكون في قراءة بيانات 14 أكتوبر قبل أن تتحرك السوق عليها.







