أسعار النفط عند التسوية: الخام الأمريكي يقفز 2.22% إلى 103.66 دولار وبرنت يتراجع إلى 109.55 بين إعفاء روسيا وتهديدات هرمز

Published:

استقرت أسعار النفط عند التسوية يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 على تباين واضح لم تشهده الأسواق منذ أسابيع، بعدما قفز الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط بقوة مدفوعا بمشتريات محلية عاجلة، في وقت تراجع فيه خام برنت القياسي العالمي تحت ضغط إعفاء أمريكي مؤقت من العقوبات على الطاقة الروسية. وسجلت عقود خام غرب تكساس الوسيط تسليم نوفمبر في بورصة نايمكس ارتفاعا قدره 2.25 دولار، أي ما يعادل 2.22 بالمئة، لتغلق عند 103.66 دولار للبرميل، بعدما لامست خلال الجلسة مستوى 104.18 دولار. في المقابل، أغلقت عقود خام برنت تسليم ديسمبر في بورصة إنتركونتيننتال على تراجع بنحو 0.3 بالمئة لتسوية عند 109.55 دولار للبرميل، رغم أنها صعدت خلال التعاملات إلى 110.70 دولار، وهو مستوى يدور حول أعلى سعر في خمسة أشهر.

هذا التباين بين الخامين لا يعكس ضعفا عاما في السوق بقدر ما يعكس انقساما جغرافيا حادا في مصادر الخطر. فالخام الأمريكي يستمد قوته من نقص فعلي في الإمدادات المتاحة للمصافي الأمريكية بعد تدهور التدفقات القادمة عبر مضيق هرمز، بينما يتعرض برنت، الذي يعكس تجارة النفط المنقول بحرا على مستوى العالم، لضغط من توقعات بعودة جزء من البراميل الروسية إلى السوق بشكل رسمي خلال الشهرين المقبلين. وكانت تسوية برنت يوم الجمعة الماضي هي الأعلى منذ 19 مايو، ولامس الخام خلال جلسة الاثنين مستوى 110 دولارات للبرميل لفترة وجيزة، ما يؤكد أن السوق لم تفقد علاوة المخاطر المرتبطة بالشرق الأوسط، بل أعادت توزيعها بين الأحواض المختلفة.

أسعار النفط عند التسوية: أرقام جلسة الاثنين كاملة

بحسب تقرير التسوية الصادر عن وكالة دي تي إن بعد ظهر الاثنين بتوقيت وسط الولايات المتحدة، بلغ سعر إغلاق خام غرب تكساس الوسيط 103.66 دولار للبرميل لعقود نوفمبر، وهو الشهر الأقرب للاستحقاق قبل انتقال التداول إلى عقود ديسمبر. وجاءت مكاسب الخام الأمريكي بعد جلسة شهدت طلبا قويا من المصافي وشركات التكرير التي تسعى لتأمين شحنات قصيرة الأجل لا تعتمد على المرور عبر الممرات المائية المضطربة. أما برنت تسليم ديسمبر فأنهى الجلسة عند 109.55 دولار، منخفضا بنحو 0.3 بالمئة عن تسوية الجمعة، لكنه ظل أعلى من الخام الأمريكي بفارق يقترب من 5.89 دولار للبرميل، وهو فارق يعكس استمرار ارتفاع تكلفة النفط المنقول بحرا مقارنة بالنفط المنتج والمستهلك داخل الولايات المتحدة.

في سوق المنتجات المكررة، ارتفعت عقود زيت التدفئة المعروف باسم يو إل إس دي تسليم نوفمبر بنسبة 0.43 بالمئة لتغلق عند 4.8519 دولار للجالون، بينما تراجعت عقود بنزين آر بي أو بي بنسبة 1.36 بالمئة إلى 3.1914 دولار للجالون. ويعكس ارتفاع الديزل وزيت التدفئة استمرار القلق بشأن إمدادات الوقود متوسط التقطير، وهو القلق نفسه الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى التحرك نحو اتفاق يسمح بتدفق كميات إضافية من الديزل الروسي. وعلى صعيد العملات، استقر مؤشر الدولار عند 101.79 نقطة، وهو مستوى لم يمنح النفط دعما إضافيا، ما يعني أن حركة الخام يوم الاثنين كانت مدفوعة بعوامل العرض والطلب الفعلية أكثر من حركة العملة الأمريكية.

إعفاء روسي لمدة 60 يوما يضغط على أسعار النفط العالمية

العامل الأول وراء تراجع برنت هو القرار الأمريكي بإصدار ترخيص عام لمدة 60 يوما يعلق تطبيق عقوبات و رسوم جديدة على الطاقة الروسية. وجاء القرار تنفيذا لأمر تنفيذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 16 أكتوبر بموجب قانون غراهام، وسمح عمليا باستئناف تعاملات كانت مهددة بالتوقف الفوري. وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن أمام واشنطن ما يصل إلى 60 يوما لتقييم أثر الخطوة قبل اتخاذ قرار بشأن تمديدها أو إنهائها. ونقلت وكالة رويترز أن الصفقة المرتبطة بالديزل قد تسمح بوصول نحو 2.3 مليون برميل خلال الشهر الحالي، على أن ترتفع الكمية لاحقا إلى نحو 7.6 مليون برميل شهريا، وهي كميات كبيرة بما يكفي لتخفيف الضغط على سوق الديزل العالمية إذا وصلت فعليا إلى المشترين.

لكن متعاملين ومحللين يتعاملون بحذر مع هذه الأرقام. فالترخيص يزيل عائقا قانونيا وماليا، لكنه لا يصلح مصفاة تعرضت لضربة، ولا يعيد تشغيل وحدة تكرير خرجت من الخدمة. وتشير تقديرات محللين إلى أن أضرارا لحقت بقدرات التكرير الروسية جراء ضربات الطائرات المسيرة الأوكرانية خلال الأسابيع الماضية قد تحد من قدرة موسكو على تحويل الترخيص السياسي إلى براميل حقيقية في الموانئ. ولهذا السبب لم ينهار برنت رغم حجم الإعفاء المعلن، واكتفى بتراجع محدود عند التسوية بعدما كان قد لامس أعلى مستوياته في خمسة أشهر خلال الجلسة. السوق تسعر احتمالا لزيادة المعروض، لكنها لا تسعر يقينا بوصوله.

اضطراب هرمز يدفع المشترين نحو الخام الأمريكي

على الجانب الآخر من المعادلة يقف مضيق هرمز، الممر الذي كان ينقل في الظروف الطبيعية أكثر من 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمكثفات والمنتجات. وبحسب بيانات شركة كبلر المتخصصة في تتبع الشحنات، هبطت تدفقات النفط الخام عبر منطقة الخليج إلى نحو 8.5 مليون برميل يوميا فقط، أي أقل من نصف المستوى المعتاد، نتيجة اضطرابات شديدة في حركة الملاحة والتأمين والتحميل. هذا الهبوط لا يعني فقط تأخر شحنات، بل يعني أن مصافي في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة باتت تتنافس على عدد أقل من البراميل المتاحة للتسليم القريب، وأن أي مشتر يستطيع تأمين خام أمريكي لا يعبر المضيق سيدفع علاوة مقابل هذا الأمان.

من هنا جاءت قفزة غرب تكساس الوسيط بنسبة 2.22 بالمئة في جلسة واحدة. فالخام الأمريكي ينتج داخل الولايات المتحدة وينقل عبر خطوط أنابيب وموانئ خليج المكسيك، بعيدا عن نقطة الاختناق في هرمز. ومع اقتراب استحقاق عقود نوفمبر، وجد البائعون على المكشوف أنفسهم مضطرين للشراء لتغطية مراكزهم في سوق فعلي ضيق. ويرى بنك دي بي إس أن أسعار النفط قد تتحرك في نطاق 100 إلى 110 دولارات للبرميل خلال الفترة المقبلة، وصولا إلى انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وهو نطاق يعكس توازنا هشا بين صدمة إمدادات حقيقية في الخليج واحتمال انفراجة جزئية عبر البراميل الروسية.

تحليل الفلوس

بقاء النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة ممتدة ليس خبرا خارجيا بعيدا عن مصر، بل بند مباشر في فاتورة الدولة. مصر تستورد جانبا مهما من احتياجاتها من المنتجات البترولية والخام، وكل دولار إضافي في سعر البرميل يترجم خلال أسابيع إلى تكلفة أعلى على الموازنة وعلى شركات التوزيع، خاصة في منتجات مثل السولار الذي يدخل في النقل والزراعة والصناعة. إذا استقر برنت قرب 109 دولارات وزيت التدفئة قرب 4.85 دولار للجالون، فإن هامش المناورة أمام الحكومة يضيق، لأن خفض الدعم أو تمرير الزيادة للمستهلك كلاهما قرار مكلف اجتماعيا، بينما تثبيت الأسعار يعني تحمل الخزانة العامة للفارق كاملا.

العين الآن على لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية وعلى حسابات وزارة المالية للربع الحالي. استمرار الأسعار عند هذه المستويات يرفع احتمال مراجعة أسعار البنزين والسولار في الاجتماع المقبل، أو على الأقل يقلل أي فرصة لتخفيضها، وينعكس لاحقا على معدلات التضخم عبر أجور النقل وأسعار الغذاء. في المقابل، قد تستفيد مصر جزئيا إذا ارتفعت إيرادات قناة السويس المرتبطة بحركة الطاقة أو تحسنت حصيلة الصادرات البترولية، لكن الأثر الصافي لبلد مستورد صاف للمنتجات يظل سلبيا ما دامت التدفقات عبر هرمز أقل من نصف مستواها الطبيعي.

ما يجب متابعته خلال الأيام المقبلة أمران لا ثالث لهما تقريبا: أولا، هل ستتحول رخصة الستين يوما الروسية إلى شحنات ديزل وخام حقيقية تصل إلى الموانئ، أم ستظل الأضرار التي لحقت بالمصافي الروسية سقفا فعليا للمعروض؟ وثانيا، هل ستعود تدفقات الخليج من مستوى 8.5 مليون برميل يوميا نحو مستويات أقرب إلى 20 مليونا، أم سيبقى الاضطراب قائما؟ إذا وصلت البراميل الروسية ولم تتحسن حركة هرمز، فقد يستمر التباين بين برنت والخام الأمريكي. أما إذا تعثر المساران معا، فإن نطاق 100 إلى 110 دولارات الذي يتوقعه دي بي إس قد يتحول من سيناريو مركزي إلى أرضية جديدة للأسعار، وحينها ستكون فاتورة الوقود في مصر أمام اختبار أصعب.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img