خطت شركة إعمار مصر للتنمية خطوة جديدة ومهمة على طريق الاستحواذ الكامل على شركة سكاي تاور للتطوير العقاري، بعدما أقر مجلس إدارتها اليوم الأحد، بالإجماع، تعيين شركة «BDO كيز للاستشارات المالية عن الأوراق المالية» — المستشار المالي المستقل المقيد لدى الهيئة العامة للرقابة المالية — لتحديد القيمة العادلة لأسهم إعمار مصر وأسهم سكاي تاور، وتحديد معامل مبادلة الأسهم بين الشركتين.
وتُعد هذه الخطوة هي التطور الأبرز حتى الآن في مسار صفقة «إعمار مصر سكاي تاور» الممتدة منذ أكثر من عامين، إذ تنفذ الشركة من خلالها قرار الجمعية العامة غير العادية الصادر في 18 يوليو 2024، والذي أجاز الاستحواذ على الحصة المتبقية من سكاي تاور والبالغة 75% عبر مبادلة الأسهم، لترتفع حصة إعمار مصر في الشركة من نحو 25% حاليًا إلى ما يصل إلى 100%.
ماذا حدث اليوم؟.. تكليف BDO كيز بالقيمة العادلة ومعامل مبادلة الأسهم في صفقة إعمار مصر سكاي تاور
بحسب إفصاح الشركة للبورصة المصرية اليوم الأحد، وافق مجلس إدارة إعمار مصر للتنمية بالإجماع على تعيين «BDO كيز للاستشارات المالية عن الأوراق المالية» مستشارًا ماليًا مستقلًا مقيدًا لدى الهيئة العامة للرقابة المالية، ليتولى مهمتين رئيسيتين: الأولى تحديد القيمة العادلة لأسهم إعمار مصر للتنمية، والثانية تحديد القيمة العادلة لأسهم شركة سكاي تاور للتطوير العقاري، ثم احتساب معامل مبادلة الأسهم بين الشركتين على هذا الأساس.
وذكرت الشركة في إفصاحها أن هذا التكليف يأتي تنفيذًا لقرار الجمعية العامة غير العادية المنعقدة في 18 يوليو 2024، والمتضمن الموافقة على الاستحواذ على كامل الحصة المتبقية من أسهم سكاي تاور والبالغة 75% من رأس مالها، من خلال مبادلة الأسهم، وذلك بما يرفع نسبة ملكية إعمار مصر في سكاي تاور من نحو 25% إلى ما يصل إلى 100%.
وكشفت عن القرار اليوم كل من «هابي جورنال» و«أصول مصر» و«عقار24» و«إيجي إن»، نقلًا عن إفصاح الشركة المرسل إلى البورصة المصرية صباح اليوم، ما يجعل الخطوة رسمية وملزمة بجدول أعمال واضح: تقرير مستقل للقيمة العادلة، ثم معامل مبادلة معلن، ثم خطوات التنفيذ.
قصة الصفقة من البداية.. من عرض مايو 2024 إلى دراسة أغسطس 2026
بدأت قصة هذه الصفقة في مايو 2024، عندما تقدمت إعمار مصر للتنمية بعرض مبدئي غير ملزم للاستحواذ على ما يصل إلى 100% من أسهم سكاي تاور للتطوير العقاري، إلى جانب عرض منفصل للاستحواذ على 75% من شركة «البرو نورث كوست». وكان الهيكل المقترح حينها يقوم على سداد 25% من قيمة الصفقة نقدًا، وتنفيذ النسبة المتبقية البالغة 75% عبر مبادلة الأسهم، في ترتيب يستهدف الحفاظ على السيولة النقدية للشركة مع إتمام التوسع.
وفي 18 يوليو 2024، أقرت الجمعية العامة غير العادية للشركة المضي في هذا المسار، فأجازت الاستحواذ على الحصة المتبقية من سكاي تاور عبر مبادلة الأسهم ورفع الملكية إلى 100% كحد أقصى. ثم جاءت الخطوة التالية في 9 أغسطس 2026، عندما وافق مجلس الإدارة على المضي قدمًا في دراسة الاستحواذ، لتأتي خطوة اليوم — تعيين المستشار المالي المستقل — بوصفها الجسر الذي ينقل الصفقة من مرحلة الدراسات والنوايا إلى مرحلة التنفيذ الفعلي القائم على أرقام معتمدة.
واللافت في هذا المسار أنه يأتي بالتزامن مع تولي محمد العبار، العضو المنتدب للشركة، الإشراف المباشر والكامل على عمليات الشركة، وهو ما يعكس، وفق متابعين للسوق، رغبة الإدارة في تسريع ملفات التوسع الكبرى وحسمها بأرقام دقيقة بدلًا من إطالة أمد المفاوضات.
كيف تتم مبادلة الأسهم؟.. شرح مبسط للآلية
مبادلة الأسهم تعني ببساطة أن مساهمي شركة سكاي تاور سيحصلون — بدلًا من أموال نقدية — على أسهم جديدة تصدرها إعمار مصر للتنمية من خلال زيادة رأس مالها، وذلك مقابل حصصهم في سكاي تاور. فبدلًا من أن تدفع إعمار مصر مليارات الجنيهات نقدًا لشراء الشركة، تُصدر أسهمًا جديدة وتمنحها لمساهمي سكاي تاور، فيصبحون مساهمين في الكيان الأكبر الموحد.
وهنا يأتي دور تقرير القيمة العادلة ومعامل المبادلة: فالتقرير المستقل الذي ستعده «BDO كيز» سيحدد السعر العادل لسهم كل شركة على حدة، وبناءً عليه يُحتسب معامل المبادلة، أي عدد أسهم إعمار مصر التي يحصل عليها مالك كل سهم من سكاي تاور.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في حماية حقوق الأقلية على الجانبين: فمساهمو سكاي تاور يريدون التأكد من أنهم لا يبيعون حصصهم بثمن بخس، ومساهمو إعمار مصر يريدون التأكد من أن الشركة لا تُصدر أسهمًا جديدة أكثر من اللازم. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون المستشار المالي مستقلًا ومقيدًا لدى الرقابة المالية، وأن تخضع النتائج لمراجعة الجهات الرقابية قبل التنفيذ.
أرقام الشركة.. نصف أول قوي وخسارة ربع سنوية بضغوط العملة
تأتي خطوة الاستحواذ في وقت تُظهر فيه القوائم المالية لإعمار مصر صورة مزدوجة: فعلى مستوى النصف الأول من 2026، حققت الشركة صافي ربح مجمع بلغ 5.555 مليار جنيه، بنمو 41.9% مقارنة بـ3.914 مليار جنيه في النصف الأول من 2025، بينما ارتفعت الإيرادات إلى 11.079 مليار جنيه مقابل 9.426 مليار جنيه في الفترة المقارنة من العام الماضي.
لكن الصورة تختلف عند النظر إلى الربع الثاني منفردًا، إذ سجلت الشركة صافي خسارة بلغت 2.21 مليار جنيه، مقابل صافي ربح قدره 587.52 مليون جنيه في الربع الثاني من 2025، وجاءت الخسارة مدفوعة بنحو 4.2 مليار جنيه من خسائر فروق العملة، وهي ضغوط غير تشغيلية ارتبطت بتحركات سعر الصرف ولم تعكس أداء النشاط العقاري الأساسي للشركة.
ويضع هذا التباين الصفقة في سياقها الصحيح: فالشركة التي تحقق نموًا قويًا في الإيرادات والأرباح التشغيلية على مستوى النصف الأول، تتحرك نحو توسيع محفظتها العقارية عبر الاستحواذ الكامل على سكاي تاور، في وقت يشهد فيه القطاع العقاري في البورصة المصرية نشاطًا ملحوظًا في عمليات الاستحواذ وإعادة الهيكلة.
تحليل الفلوس
المعنى الحقيقي لخطوة اليوم يتجاوز الخبر الشكلي: فتعيين مستشار مالي مستقل لتحديد القيمة العادلة هو الإعلان العملي عن انتقال الصفقة من مرحلة «الكلام» إلى مرحلة «الأرقام». فطوال أكثر من عامين ظلت صفقة إعمار مصر وسكاي تاور حبيسة العروض المبدئية وقرارات الجمعيات، أما الآن فهناك جهة مستقلة ستضع سعرًا عادلًا على الطاولة، وهذا السعر هو الذي سيحدد عمليًا من الرابح ومن الخاسر في معامل المبادلة. وبالنسبة لصغار المساهمين في الشركتين، فإن تقرير «BDO كيز» ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو وثيقة الحماية الأولى: فهو الذي يمنع أن تُباع سكاي تاور بأقل من قيمتها الحقيقية، ويمنع في المقابل أن تُصدر إعمار مصر أسهمًا جديدة بسخاء يُخفف حصص مساهميها الحاليين دون مبرر. ومن هنا، فإن اللحظة التي يُعلن فيها معامل المبادلة ستكون أهم من لحظة اليوم نفسه، لأن السوق سيحكم حينها على عدالة الصفقة.
أما على مستوى الاستراتيجية، فالصفقة تكشف عن منطق توسعي واضح: إعمار مصر لا تشتري مجرد شركة، بل تضم محفظة أراضٍ ومشروعات إلى مخزونها العقاري الضخم الذي يضم مشروعات بحجم مراسي وأبتاون كايرو وميڤيدا. والاستحواذ عبر مبادلة الأسهم — لا نقدًا — رسالة ثقة مزدوجة: ثقة الإدارة في قيمة سهمها بما يكفي لاستخدامه «عملة» للشراء، وثقة في أن الكيان الموحد بعد الاستحواذ سيكون أكبر قيمة من مجموع أجزائه. لكن على الجانب الآخر، فإن التخفيف الناتج عن زيادة رأس المال حقيقة لا يمكن تجاهلها، وسيظل السؤال المعلق: هل القيمة المضافة من سكاي تاور تبرر عدد الأسهم الجديدة التي ستُصدر؟ الإجابة ستكون في تقرير القيمة العادلة، لا في بيانات اليوم الصحفية.
ما الذي يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة؟ أولًا: صدور تقرير «BDO كيز» والإعلان الرسمي عن معامل المبادلة، فهو الرقم الذي ستبني عليه السوق كل حساباتها. ثانيًا: موافقات الهيئة العامة للرقابة المالية، فالصفقة لن تكتمل دون المرور عبر البوابة الرقابية التي ستدقق في عدالة التقييم وحماية الأقلية. ثالثًا: رد فعل سهم إعمار مصر في البورصة، فالسوق عادة يكافئ الصفقات العادلة وسيعاقب أي معامل مبادلة يراه مجحفًا بأحد الطرفين. ورابعًا: السياق الأوسع للاقتصاد المصري، بما فيه مراجعات صندوق النقد الدولي لبرنامج مصر وتحركات سعر الصرف، لأن خسائر العملة التي ضربت نتائج الربع الثاني تذكرنا بأن أي صفقة كبرى في السوق المصرية تظل رهينة الاستقرار النقدي. الخلاصة: الصفقة دخلت غرفة العمليات، والجراح الآن هو تقرير القيمة العادلة.







