الربط الكهربائي المصري السعودي في مراحله الأخيرة.. مصر أنجزت حصتها 100% والتشغيل الكامل بات وشيكًا

Published:

أكبر مشروع ربط كهربائي في المنطقة يقترب من لحظة الحقيقة. فبعد سنوات من العمل في واحد من أضخم مشروعات البنية التحتية الكهربائية في الشرق الأوسط، أعلنت مصر رسميًا الانتهاء الكامل من حصتها في مشروع الربط الكهربائي المصري السعودي بقدرة 3000 ميجاوات، ولم يتبقَّ سوى أعمال محدودة واختبارات فنية على الجانب السعودي قبل بدء التشغيل الكامل. التطور لفت انتباه قناة CNBC عربية التي تناولته اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 في نشرتها الاقتصادية، مؤكدة أن البلدين «تقتربان من تشغيل أكبر مشروع ربط كهربائي بالمنطقة».

«مصر خلصت شغلها».. ماذا أعلن وزير الكهرباء؟

الإعلان جاء على لسان الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، خلال ندوة نظمتها الهيئة الوطنية للصحافة يوم الجمعة 2 أكتوبر 2026 بعنوان «قطاع الكهرباء: إنجازات وخطط مستقبلية». وقال الوزير نصًا إن «الانتهاء تم بالكامل من أعمال الجانب المصري في مشروع الربط الكهربائي المصري السعودي»، موضحًا أن المتبقي حاليًا «يقتصر على جزء محدود من الأعمال والاختبارات الفنية على الجانب السعودي».

وشدد عصمت على أن مشروعات الربط الكهربائي الدولي تمثل «محورًا أساسيًا» في استراتيجية مصر لتصدير الطاقة الخضراء، في إطار التوسع في مشروعات الطاقة وتعزيز التعاون الكهربائي مع الدول المختلفة. وهي إشارة واضحة إلى أن القاهرة لا تنظر إلى المشروع باعتباره مجرد خط نقل كهرباء، بل كبوابة لطموح أكبر: أن تتحول مصر إلى مركز إقليمي لتبادل الطاقة بين أفريقيا وآسيا وأوروبا.

تفاصيل المشروع: 3000 ميجاوات عبر 1350 كيلومترًا

مشروع الربط الكهربائي المصري السعودي ليس مشروعًا عاديًا؛ فهو يستهدف تبادل قدرات كهربائية تصل إلى 3000 ميجاوات بين أكبر شبكتين كهربائيتين في المنطقة، باستثمارات تقدر بنحو 1.8 مليار دولار، ويتكون من ثلاث محطات محولات ضخمة ذات جهد عالٍ: الأولى في مدينة بدر شرق القاهرة، والثانية في تبوك، والثالثة شرق المدينة المنورة في السعودية.

ويربط بين هذه المحطات خطوط هوائية يصل طولها إلى نحو 1350 كيلومترًا، إلى جانب كابلات بحرية وأرضية تعبر خليج العقبة، ويعمل المشروع بتقنية التيار المستمر عالي الجهد (HVDC) بجهد 500 كيلوفولت. وتُعد محطة محولات بدر الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط من حيث الحجم وتكنولوجيا التصنيع والتشغيل على خطوط الربط مع الشبكات الكهربائية.

وكانت وزارة الكهرباء قد أعلنت في وقت سابق من العام الجاري بدء مراحل الاختبارات التجريبية لمحطة بدر ومحطة سكاكين طابا 2، والخط الهوائي بينهما بطول 320 كيلومترًا، إضافة إلى اختبارات الكابلات البحرية والأرضية ولوحات التحكم، استعدادًا للربط على الشبكة الكهربائية الموحدة في البلدين.

ماذا يعني الربط الكهربائي للمصريين؟

الفكرة الجوهرية وراء المشروع بسيطة وذكية في آن واحد: استغلال اختلاف توقيت ذروة الأحمال بين البلدين. فذروة الاستهلاك في السعودية تأتي ظهرًا مع تشغيل أجهزة التكييف بكثافة في حر الصيف، بينما تأتي ذروة مصر مساءً. هذا الفارق الزمني يعني أن كل بلد يمكنه الاستفادة من فائض قدرات التوليد لدى الآخر في وقت احتياجه، بدل أن يبني محطات جديدة تعمل ساعات محدودة في السنة.

والنتيجة المباشرة لذلك هي خفض معدلات استهلاك الوقود التقليدي (الغاز والمازوت) في توليد الكهرباء، والتشغيل الاقتصادي للشبكة، وتحسين استقرار الشبكة القومية الموحدة وجودة التغذية الكهربائية. كما يفتح المشروع الباب أمام سوق عربية مشتركة للكهرباء، ويعزز مكانة البلدين كمركزين إقليميين لتبادل الطاقة، بما يدعم خططهما للتوسع في مصادر الطاقة المتجددة.

أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فالمشروع يمنح مصر ورقة قوة جديدة في ملف الطاقة: فائض قدرات التوليد الذي طالما كان عبئًا على الموازنة (محطات تعمل بأقل من طاقتها بينما تُدفع تكاليف إنشائها) يمكن أن يتحول إلى إيرادات تصديرية حقيقية عندما يبدأ تبادل الطاقة فعليًا مع السعودية، ومنها لاحقًا إلى أسواق أوسع.

تحليل الفلوس

الخبر في جوهره اقتصادي قبل أن يكون فنيًا. مصر استثمرت على مدى عقد كامل عشرات المليارات في محطات توليد عملاقة، والنتيجة كانت فائضًا كبيرًا في القدرات يُقدَّر بعشرات الجيجاوات، يقف معظمه عاطلًا بينما تدفع الدولة فاتورة وقود ضخمة لتشغيل ما يلزم منه. الربط مع السعودية بقدرة 3000 ميجاوات هو أول محاولة جدية لتحويل هذا الفائض من «تكلفة غارقة» إلى «أصل مُدرّ للدخل»: كهرباء مصرية تُباع في وقت الذروة السعودية، وكهرباء سعودية تُستورد في ذروتنا المسائية، وكل ميجاوات يُتبادل يعني وقودًا أقل يُحرق ومليارات أقل تُنفق.

لكن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد. إعلان «الانتهاء من الجانب المصري» خطوة مهمة، لكن قيمة المشروع الحقيقية ستُقاس بعد أول صيف تشغيل كامل: هل سيجري تبادل فعلي يقترب من الـ3000 ميجاوات المتفق عليها، أم سيظل التشغيل رمزيًا بقدرات محدودة كما يحدث أحيانًا في مشروعات الربط الإقليمية؟ كما أن معادلة الأسعار التي سيُتبادل بها التيار — وهي تفاصيل لم تُعلن بعد — ستحدد ما إذا كان المشروع مربحًا لمصر فعلًا أم مجرد إنجاز هندسي للصور.

ما يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة إذن ثلاثة أشياء: إعلان اكتمال الاختبارات على الجانب السعودي وبدء التشغيل التجريبي الكامل، ثم الإفصاح عن اتفاقيات تبادل الطاقة وأسعارها، وأخيرًا كيف سيُدمج هذا الربط في استراتيجية تصدير الكهرباء المصرية الأوسع — من مشروع الربط مع اليونان (GREGY) إلى الطموح المعلن بأن تصبح مصر جسرًا للطاقة بين القارات. إذا سارت الأمور كما هو مخطط، فقد يكون 2026 هو العام الذي بدأت فيه مصر فعليًا تبيع كهرباءها للعالم بدل أن تكتفي بإنارتها.

المصدر: نشرة CNBC عربية الاقتصادية — مصر والسعودية تقتربان من تشغيل أكبر مشروع ربط كهربائي بالمنطقة (6 أكتوبر 2026)؛ تصريحات وزير الكهرباء والطاقة المتجددة في ندوة الهيئة الوطنية للصحافة (2 أكتوبر 2026)؛ بيانات وزارة الكهرباء المصرية.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img