أغلقت أسعار النفط تعاملات الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 على تراجع عند التسوية، بعد جلسة متقلبة دفعت خام برنت خلالها إلى قمة خمسة أشهر قرب 112 دولارا للبرميل، قبل أن تمحو آمال الدبلوماسية الأمريكية الإيرانية كل المكاسب وتعيد السوق إلى المنطقة الحمراء. وسجلت تسوية النفط لعقد برنت تسليم ديسمبر انخفاضا قدره 76 سنتا، بما يعادل 0.69%، لتستقر عند 108.79 دولار للبرميل، وفق بيانات داو جونز للسوق التي نقلتها مورنينج ستار، وهو أكبر تراجع يومي بالدولار وبالنسبة المئوية منذ الثلاثاء 13 أكتوبر، وثاني جلسة هبوط على التوالي.
تفاصيل تسوية النفط الثلاثاء بالأرقام
بحسب بيانات داو جونز، خسر برنت خلال جلستي الاثنين والثلاثاء معا 1.07 دولار، بما يعادل 0.97%، وتراجع في ثلاث من آخر أربع جلسات، ليظل منخفضا 8.08% عن قمة 52 أسبوعا عند 118.35 دولار في 31 مارس 2026، لكنه مرتفع 5.08% منذ بداية أكتوبر و78.78% منذ بداية العام.
وفي نيويورك، أغلق خام غرب تكساس الوسيط لعقد ديسمبر، وهو العقد الأكثر نشاطا الآن، منخفضا بنسبة 0.7% عند 97.82 دولار للبرميل. أما عقد نوفمبر الذي انتهت صلاحيته الثلاثاء، فقد سلم الراية لعقد ديسمبر بعدما أغلق منخفضا بنسبة 1.8% عند 101.79 دولار للبرميل، بعدما كان قد لمس خلال الجلسة 110.48 دولار، في انعكاس يومي اقترب من تسعة دولارات بين القمة والقاع.
ونقلت وكالة رويترز أن عقود برنت الآجلة استقرت منخفضة 76 سنتا أو 0.69% عند 108.79 دولار، بعدما وصل العقد في وقت سابق من الجلسة إلى 111.99 دولار، وهو أعلى مستوى في خمسة أشهر. وأكدت صحيفة وول ستريت جورنال الأرقام نفسها في تقرير التسوية، مشيرة إلى أن برنت ديسمبر هبط 0.7% إلى 108.79 دولار، وأن غرب تكساس ديسمبر استقر منخفضا 0.7% عند 97.82 دولار، لتتطابق بذلك ثلاثة مصادر مستقلة على سعر الإغلاق نفسه.
لماذا انقلبت أسعار النفط من القمة إلى الهبوط؟
بدأت الجلسة على صعود حاد غذته رواية المخاطر. فقد أعلن الحوثيون في اليمن مسؤوليتهم عن هجمات قالوا إنها استهدفت مواقع طاقة سعودية، بينها موقع لشركة أرامكو في ينبع وحقل شيبة النفطي، إضافة إلى مطارات ومنشآت عسكرية. وحتى لحظة التسوية لم تؤكد السلطات السعودية هذه المزاعم، ولم تتمكن رويترز من التحقق منها بشكل مستقل، لكن السوق تعامل معها بجدية فوق سجل مزدحم: شركة كبلر المتخصصة في تتبع السفن أحصت ما لا يقل عن 18 سفينة تعرضت لهجمات في الخليج خلال أسبوعين، مع استمرار اضطرابات الشحن في مضيق هرمز.
ثم جاء الانعكاس من بوابة السياسة لا من بوابة الإمداد. فقد اجتمع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في طهران مع قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، وباكستان وسيط رئيسي بين واشنطن وطهران، وبحث الطرفان جهود الوساطة وتطورات المنطقة، بحسب ما نقلته وكالة نور نيوز الإيرانية وأوردته رويترز. لم يصدر اتفاق ولم يعلن جدول زمني، لكن مجرد صورة الاجتماع كانت كافية ليدفع المتعاملون جزءا من علاوة المخاطرة خارج السعر قبل الإغلاق.
روبرت ياوغر، المتخصص في السلع لدى ميزوهو سيكيوريتيز، لخص حيرة السوق بقوله إنه لا يوجد عنوان مدوٍ يفسر الهبوط، فلا أحد طرح اتفاق سلام ولا وقع حدث جيوسياسي هابط واضح. أما بنك دويتشه، فحذر من أن التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية بعد أسبوعين يبدو أصعب فأصعب، وأن واشنطن قد تصعد بعد الانتخابات لا قبلها. ويرى باركليز أن الحل التفاوضي الشامل احتمال بعيد حاليا، بينما قال آي إن جي إن علاوة المخاطرة ستتآكل ببطء فقط إذا استمرت التدفقات دون انقطاع، ولا علامات على ذلك بعد.
عوامل تخفف الضغط: العراق والمخزونات وأسعار الوقود الأمريكية
في مقابل رواية المخاطر، تعمل ثلاث قوى في الاتجاه المعاكس. الأولى أن صادرات العراق تجاوزت 3.4 مليون برميل يوميا، أي قرب مستويات ما قبل الحرب، ما يعوض جزءا من أي نقص خليجي. والثانية خطوة إدارة الرئيس دونالد ترامب بالسماح ببيع ناقلات خاضعة للعقوبات، ضمن أسطول ظل يقدر بنحو 1600 ناقلة، لتوسيع طاقة الشحن وتخفيف اختناقات النقل. والثالثة خلفية قرار مجموعة السبع ووكالة الطاقة الدولية الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات، وهو سقف نفسي يحد من اندفاع المضاربين.
وتنتظر السوق الأربعاء بيانات المخزونات الأمريكية الأسبوعية. ويتوقع مسح وول ستريت جورنال تراجع مخزون الخام بمقدار 300 ألف برميل فقط، واستقرار مخزون البنزين دون تغيير، وانخفاض مخزون الديزل والمقطرات بمقدار 1.3 مليون برميل. بعد سحب ضخم بلغ 8.6 مليون برميل الأسبوع السابق عندما أثر إعصار إيساياس في الإنتاج.
أما مسح الوقود الأسبوعي الأمريكي الصادر الثلاثاء، فأظهر صورة مختلطة عند المضخة: البنزين العادي عند 4.284 دولار للجالون، منخفضا 4.7 سنت على أساس أسبوعي، بينما صعد ديزل الطرق السريعة إلى 6.276 دولار للجالون، مرتفعا 9.7 سنت. والرسالة أن برنت لا ينتقل للمستهلك بشكل متماثل، إذ تحكم البنزين والديزل أيضا طاقة التكرير والمخزونات وهوامش التوزيع. وكانت تغطية الفلوس للجلسة ذاتها خلال اليوم قد رصدت لحظة الانعكاس من القمة، كما تابعت تغطية ما قبل الافتتاح الثلاثاء بناء علاوة المخاطرة منذ الصباح.
ماذا تعني تسوية النفط عند 108.79 دولار لمصر؟
مصر مستورد صاف للطاقة، وفاتورة استيراد المنتجات البترولية والخام تتحرك مع برنت دولارا بدولار تقريبا. كل دولار إضافي يستقر في سعر التسوية لأسابيع، لا الذي يلمع لساعة في منتصف الجلسة، يضيف عشرات الملايين من الدولارات شهريا إلى فاتورة الاستيراد، ويضغط على احتياطي النقد الأجنبي وعلى موازنة دعم الطاقة معا. لهذا فإن إغلاق الثلاثاء عند 108.79 دولار، رغم أنه أقل من قمة الجلسة بنحو ثلاثة دولارات، لا يزال سعرا مرتفعا تاريخيا بمقاييس الموازنة المصرية، فهو أعلى بنسبة 78.78% من بداية العام.
ولم تصدر لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية قرارا جديدا حتى الآن، وكانت وزارة البترول قد نفت في سبتمبر أن اللجنة اجتمعت أو قررت شيئا. لكن استمرار برنت فوق 100 دولار يضيق هامش المناورة أمام اللجنة في اجتماعها المقبل، لأن الفجوة بين تكلفة الاستيراد وسعر البيع المحلي تتسع مع كل أسبوع إضافي عند هذه المستويات. ويضاف ملف قناة السويس، فاضطرابات البحر الأحمر وهرمز تدفع خطوطا ملاحية لمسارات أطول بما يضغط على إيرادات القناة الدولارية.
تحليل الفلوس
الفارق بين قمة الجلسة وسعر التسوية هو الفارق بين الخوف والحساب. المتعامل الذي اشترى برنت عند 112 دولارا ظهرا كان يدفع ثمن عنوان عن ينبع وشيبة لم تؤكده الرياض، أما سعر 108.79 دولار الذي أغلقت عليه السوق فهو الرقم الذي ستبنى عليه فواتير الشحنات الفعلية وعقود الاستيراد ومراجعات الموازنات، ومنه تحسب مصر تكلفتها الحقيقية. بقاء التسوية فوق 108 دولارات رغم كل عوامل التهدئة يعني أن السوق لا يصدق أن الخطر انتهى، بل يصدق فقط أن موعد الخطر تأجل، وهو أسوأ سيناريو للمستورد.
شد الحبل الحالي له طرفان واضحان. في اتجاه الصعود: علاوة حرب تغذيها 18 سفينة مهاجمة في أسبوعين وادعاءات حوثية غير مؤكدة لكنها غير منفية عمليا، وانتخابات أمريكية قد تفتح باب التصعيد بعد إغلاق صناديق الاقتراع. وفي اتجاه الهبوط: وساطة باكستانية نشطة بين واشنطن وطهران، وصادرات عراقية فوق 3.4 مليون برميل يوميا، ونحو 1600 ناقلة ظل قد تعود طاقتها إلى السوق الشرعي، و100 مليون برميل احتياطي استراتيجي جاهزة للضخ. النتيجة حتى الآن تعادل مائل للصعود، وسعر التسوية هو الحكم: ما دام برنت يغلق فوق 105 دولارات، فكفة المخاطر أثقل مهما تراجع خلال الجلسات.
بالنسبة للبيت المصري، الترجمة العملية تأتي على ثلاث مراحل. الأولى قرار لجنة التسعير المقبل، وكل أسبوع إضافي فوق 100 دولار يجعل تثبيت أسعار البنزين والسولار أصعب حسابيا ويزيد احتمال تحريك ولو محدود. والثانية أسعار النقل والمواصلات والسلع المنقولة، وهي تنتقل أسرع من قرارات اللجنة نفسها لأن السوق يسعر التوقع قبل القرار. والثالثة مسار التضخم حتى نهاية العام، فالطاقة هي المدخل الأوسع لأي موجة أسعار جديدة. ما يجب مراقبته هذا الأسبوع محدد: بيانات المخزونات الأمريكية الأربعاء، وأي تأكيد سعودي رسمي أو نفي لمزاعم الحوثيين، واجتماع الاحتياطي الفيدرالي يومي 27 و28 أكتوبر، لأن الدولار القوي أو الضعيف سيعيد تسعير برنت نفسه قبل أن تتحرك أي ناقلة. حتى تتضح هذه الملفات الثلاثة، يظل رقم 108.79 دولار هو العنوان الحقيقي ليوم الثلاثاء، لا قمة 112 التي لم تصمد حتى جرس الإغلاق.







