عاشت وول ستريت يوم الخميس 15 أكتوبر 2026 واحدة من أكثر جلساتها انقسامًا هذا العام، إذ ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 0.2% بينما واصل مؤشر ناسداك المركب تراجعه لليوم السابع على التوالي، وسط موجة بيع عالمية في أسهم التكنولوجيا قابلها تراجع ملحوظ في عوائد السندات الأمريكية رغم بيانات تضخم جاءت أشد من المتوقع. المشهد كان متناقضًا بامتياز: أرقام تضخم ساخنة كان من المفترض أن تدفع العوائد للصعود، لكن السوق اختار مسارًا مختلفًا، في إشارة إلى أن مخاوف تباطؤ النمو بدأت تزاحم مخاوف الأسعار.
وول ستريت تنقسم: داو جونز يرتفع وناسداك يهبط للجلسة السابعة
افتتح مؤشر داو جونز الجلسة على ارتفاع 269.71 نقطة ليصل إلى 51,891.19 نقطة، وتجاوزت مكاسبه 400 نقطة في وقت من الجلسة قبل أن يقلصها لاحقًا ليغلق مرتفعًا بنحو 0.2%. وجاء الدعم من الأسهم الدفاعية والسلع الاستهلاكية، في مقدمتها وول مارت الذي قفز أكثر من 4%، وإنتيوت الذي صعد 4.8%، بينما سجل بنك بي إن واي ميلون ربحية سهم بلغت 2.37 دولار متجاوزًا توقعات المحللين، في إشارة إلى أن البنوك الكبرى ما زالت تستفيد من بيئة أسعار الفائدة المرتفعة.
على الجانب الآخر، تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بما بين 0.3% و0.45% ليستقر قرب 7,683.88 نقطة، بينما هبط ناسداك المركب بما بين 0.9% و1.29% في مستهل التداولات إلى 26,349.65 نقطة، مسجلًا خسارته السابعة على التوالي. وكانت جلسة الأربعاء قد انتهت هي الأخرى على ضغوط في قطاع التكنولوجيا كما رصدنا في تغطية الفلوس لإغلاق أمس، ليصبح تراجع ناسداك الأسبوعي واحدًا من أطول سلاسل الخسائر التي يشهدها المؤشر منذ أشهر.
التكنولوجيا تحت المقصلة: نفيديا وAMD وكورويف وTSMC
تركزت الخسائر في أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، إذ هبط سهم نفيديا بنحو 2%، وخسر سهم AMD أكثر من 3%، وتراجع سهم مايكرون بأكثر من 4% مواصلًا انزلاقه للجلسة السادسة على التوالي. أما سهم كورويف فهوى 8% بعد أن خسر 15% يوم الأربعاء، وسقط سهم روكيت لاب 13.3%. والمفارقة أن شركة TSMC التايوانية أعلنت عن ربع سنوي قياسي سادس على التوالي، بصافي دخل قفز 69% على أساس سنوي إلى 763.1 مليار دولار تايواني وإيرادات ارتفعت 51% إلى 1.5 تريليون دولار تايواني، ومع ذلك تراجع سهمها بنحو 2.5% وسط موجة البيع الجماعية التي لم تفرق بين القوي والضعيف في القطاع.
ولم تقتصر الموجة على وول ستريت، إذ هوى مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي 8.3% إلى نحو 5,540 نقطة في جلسة الخميس، مسجلًا خسارته السابعة على التوالي وأدنى مستوى له منذ أواخر يوليو. هذا التراجع العنيف في سول يعكس أن ما يحدث ليس تصحيحًا أمريكيًا محليًا بل إعادة تسعير عالمية لأسهم التكنولوجيا بعد موجة الصعود الطويلة التي قادتها شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
وول ستريت والسندات: العوائد تتراجع رغم التضخم الساخن
اللافت في جلسة الخميس أن عوائد سندات الخزانة الأمريكية تراجعت بقوة رغم بيانات تضخم الجملة التي جاءت أعلى من التوقعات، إذ هبط العائد على السندات لأجل عامين 9 نقاط أساس إلى 4.71%، وتراجع العائد على السندات لأجل 10 سنوات 14 نقطة أساس إلى 5.05%، وانخفض العائد على السندات لأجل 30 عامًا 12 نقطة أساس إلى 5.40%. عادة ما تدفع بيانات التضخم الساخنة العوائد للارتفاع لأنها تقلل احتمالات خفض الفائدة، لكن ما حدث اليوم كان العكس تمامًا.
وكانت بيانات سبتمبر قد أظهرت قفزة في مؤشر أسعار المنتجين بنسبة 1.3% على أساس شهري و6.3% على أساس سنوي، مع ارتفاع المؤشر الأساسي 0.7% شهريًا و5% سنويًا، وهي الأرقام التي فصلناها في تغطية الفلوس لصدمة تضخم الجملة. كما جاءت مبيعات التجزئة أقوى من المتوقع بنمو 0.8% مقابل 0.3% متوقعة، وتراجعت طلبات إعانة البطالة الأسبوعية إلى 199 ألف طلب. قراءة السوق لهذه البيانات كانت أن الاقتصاد يظهر متانة في الاستهلاك لكن ضغوط التكلفة تتصاعد، ومع موجة البيع في الأسهم اتجهت السيولة نحو السندات كملاذ آمن، وهو ما دفع أسعارها للارتفاع وعوائدها للانخفاض.
الذهب والدولار والنفط: الملاذات تلمع
استفاد الذهب من أجواء القلق ليصعد بقوة، إذ ارتفعت العقود الآجلة للذهب 1.7% إلى 4,175 دولارًا للأونصة، وصعد السعر الفوري 1.3% إلى 4,158.63 دولار. وتراجع مؤشر الدولار 0.4% إلى 102.11 نقطة، وهو ما دعم المعادن المقومة بالدولار. وفي سوق الطاقة، ارتفع خام غرب تكساس الوسيط 2.4% إلى 97.40 دولار للبرميل، بينما صعد خام برنت 0.1% إلى 106.10 دولار بعد أن كان متراجعًا 1.3% في الصباح إلى 104.67 دولار، في انعكاس حاد خلال الجلسة. أما بتكوين فاستقرت قرب 82,300 دولار.
بيانات المؤشرات والعوائد والسلع في هذا المقال وفق التغطية المباشرة لوكالة Reuters، مع أرقام التداول اللحظية عبر TradingView وSeeking Alpha وSharecast.
تحليل الفلوس
ما حدث في وول ستريت اليوم يحمل رسالة أهم من أرقام المؤشرات نفسها: السوق لم يعد يخاف التضخم وحده، بل بدأ يخاف من ثمن محاربته. عندما تتراجع عوائد السندات رغم بيانات تضخم ساخنة، فهذا يعني أن المستثمرين يراهنون على أن النمو سيتباطأ وأن الاحتياطي الفيدرالي قد يجد نفسه مضطرًا لخفض الفائدة لدعم الاقتصاد حتى لو ظلت الأسعار مرتفعة. هذا التحول في التسعير هو الذي دفع السيولة نحو السندات والذهب معًا، وهما ملاذا الأزمات التقليديان، بينما تُباع أسهم النمو التي كانت رهان العامين الماضيين.
بالنسبة للقارئ المصري، المعادلة تترجم إلى ثلاثة أمور عملية. أولًا: الذهب في مصر يتبع السعر العالمي مضافًا إليه علاوة الدولار محليًا، ومع تجاوز الأونصة 4,150 دولارًا عالميًا ستظل أسعار الذهب في السوق المحلية عند مستوياتها المرتفعة، وأي تراجع مؤقت قد يكون فرصة للشراء التدريجي لا إشارة لانكسار الاتجاه. ثانيًا: تراجع مؤشر الدولار إلى 102.11 يخفف الضغط على الجنيه نسبيًا، لكن عوائد السندات الأمريكية حول 5% تعني أن الأموال الساخنة ستظل حذرة تجاه الأسواق الناشئة، ومنها البورصة المصرية. ثالثًا: موجة البيع العالمية في التكنولوجيا قد تنعكس على تدفقات الأجانب في البورصة المصرية الأسبوع المقبل، فراقبوا أسهم البنوك والمواد الأساسية التي تعتمد على السيولة المحلية أكثر من الأجنبية.
ما يجب متابعته في الأيام المقبلة: تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي ورد فعلهم على بيانات التضخم، وبيانات التضخم الاستهلاكي القادمة، وموسم نتائج أعمال شركات التكنولوجيا الكبرى الأسبوع المقبل الذي سيحدد ما إذا كان التراجع الحالي تصحيحًا صحيًا أم بداية موجة أعمق، وقدرة الذهب على الثبات فوق 4,100 دولار كمؤشر على استمرار شهية الملاذات الآمنة.







