الاستثمار الأجنبي المباشر يقفز إلى 17.8 مليار دولار في 2025/2026.. وميزان المدفوعات يحقق فائضًا كليًا 2.8 مليار: المركزي يكشف الأرقام الرسمية

Published:

المركزي يعلن الأرقام الرسمية: الاستثمار الأجنبي المباشر يقفز 54% في عام واحد

أعلن البنك المركزي المصري، اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، أن صافي التدفقات الداخلة من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر سجل نحو 17.8 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، مقارنة بنحو 11.6 مليار دولار في العام المالي السابق، بزيادة تتجاوز 53% في عام واحد — وهي قفزة تعكس تحولًا حقيقيًا في قدرة الاقتصاد المصري على جذب رؤوس الأموال الخارجية رغم الاضطرابات الإقليمية المحيطة.

وجاءت الأرقام ضمن تقرير أداء ميزان المدفوعات السنوي الذي نشره المركزي اليوم، والذي حمل مفاجأة إيجابية أخرى: تحقيق فائض كلي في ميزان المدفوعات بلغ نحو 2.8 مليار دولار خلال العام المالي، مقابل عجز في السنوات السابقة — علامة على تحسن تدريجي في الحسابات الخارجية للدولة.

أين ذهبت الـ17.8 مليار دولار؟ تفصيل مصادر التدفقات

لم يكن الرقم الكبير وليد مصدر واحد، بل جاء موزعًا على عدة قنوات، وفق تفصيلات المركزي:

  • تأسيس شركات جديدة وزيادة رؤوس أموال الشركات القائمة: صافي تدفقات داخلة بلغت نحو 8.8 مليار دولار خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2025، مقابل نحو 5.5 مليار دولار في الفترة المماثلة، ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى تنفيذ صفقة رأس الحكمة.
  • الأرباح المعاد استثمارها: سجلت نحو 6.2 مليار دولار، مقابل نحو 4.2 مليار دولار — مؤشر على أن الشركات الأجنبية العاملة في مصر تفضل إعادة استثمار أرباحها داخل السوق بدلًا من تحويلها للخارج، وهي علامة ثقة مهمة.
  • شراء العقارات بمعرفة غير المقيمين: بلغ نحو 2.8 مليار دولار، مقابل نحو 1.9 مليار دولار، في تأكيد لاستمرار قوة السوق العقاري المصري كجاذب للسيولة الخارجية.
  • بيع الشركات والأصول الإنتاجية لغير المقيمين: صافي تدفقات داخلة بلغت 433.2 مليون دولار، مقابل 399.8 مليون دولار.
  • في المقابل، سجلت القروض المقدمة من الشركات الأم بغرض الاستثمار صافي سداد قدره 480.4 مليون دولار.

المعاملات الرأسمالية والمالية: 23.2 مليار دولار تدفقات للداخل

كشف تقرير المركزي أن المعاملات الرأسمالية والمالية حققت صافي تدفق للداخل بلغ نحو 23.2 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، مقابل نحو 10.2 مليار دولار فقط خلال السنة المالية السابقة — أي أن التدفقات المالية إلى مصر تضاعفت أكثر من مرة في 12 شهرًا.

وساهمت في هذا التحسن قفزة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إضافة إلى تحول استثمارات محفظة الأوراق المالية (أذون الخزانة والسندات) إلى صافي تدفق للداخل بلغ نحو 4.2 مليار دولار، مقابل نحو 1.6 مليار دولار في العام السابق — دليل على عودة شهية المستثمرين الأجانب للأدوات الحكومية المصرية بعد الاستقرار النسبي لسعر الصرف.

ميزان الخدمات يسجل 16.7 مليار دولار.. السياحة وقناة السويس يقودان التعافي

على الجانب الآخر من المعادلة، ارتفع فائض ميزان الخدمات بمعدل 10.5% ليبلغ نحو 16.7 مليار دولار خلال السنة المالية، مدعومًا بزيادة الإيرادات السياحية وارتفاع حصيلة رسوم المرور بقناة السويس، التي بدأت تستعيد جزءًا من مستوياتها السابقة بعد التراجع الذي شهدته خلال فترة الاضطرابات الإقليمية.

لكن الصورة ليست وردية بالكامل: فقد سجل التغير في الأصول الأجنبية للبنوك والأصول غير الاحتياطية للبنك المركزي ارتفاعًا في صافي التدفق للخارج، ليبلغ نحو 9.7 مليار دولار، مقابل نحو 5.6 مليار دولار في العام السابق — بما يعكس زيادة في الأصول الخارجية المحتفظ بها لدى الجهاز المصرفي.

الجانب الآخر من العملة: عجز الحساب الجاري يتسع إلى 22.5 مليار دولار

التقرير نفسه كشف أن عجز حساب المعاملات الجارية (الحساب الجاري) بلغ 22.5 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026، مقارنة مع 15.4 مليار دولار في العام السابق، وعزا البنك المركزي هذا التوسع إلى ارتفاع العجز في كل من الميزان التجاري السلعي وميزان دخل الاستثمار، وفق ما ذكرته وكالة رويترز اليوم.

وبمعنى أبسط: مصر تستقبل تدفقات استثمارية قوية (17.8 مليار دولار مباشرة + 4.2 مليار محفظة)، لكن فاتورة الواردات والمدفوعات على دخل الاستثمارات الأجنبية الموجودة أصلًا تظل ثقيلة — وهذا هو السبب الجوهري لاتساع العجز الجاري رغم تحسن التدفقات.

القروض والالتزامات: صافي استخدام 1.9 مليار دولار وتراجع أقساط السداد

فيما يتعلق بالقروض والتسهيلات متوسطة وطويلة الأجل، سجلت صافي استخدام بلغ نحو 1.9 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، مقابل صافي سداد بلغ نحو 3.5 مليار دولار في العام السابق — أي أن مصر عادت إلى الاقتراض الصافي بعد عام من السداد الصافي.

وبلغ إجمالي القروض والتسهيلات المستخدمة نحو 9 مليارات دولار، بينما تراجع إجمالي الأقساط المسددة إلى نحو 7.1 مليار دولار، مقابل نحو 12.4 مليار دولار في الفترة المقارنة. وعلى صعيد التزامات البنك المركزي المصري، سجلت صافي تدفق للخارج بلغ 695.8 مليون دولار، بما يعكس انخفاضًا في الالتزامات، مقابل صافي تدفق للداخل بلغ نحو 3.6 مليار دولار خلال السنة المالية السابقة.

تحليل الفلوس

الرقم الأهم في هذا التقرير ليس الـ17.8 مليار دولار في حد ذاتها، بل تركيبتها. فالأرباح المعاد استثمارها (6.2 مليار دولار) تعني أن الشركات الأجنبية الموجودة في مصر بالفعل اختارت أن تُبقي أموالها هنا وتوسع نشاطها، وهذا أقوى أنواع الثقة — لأن القرار اتُّخذ من الداخل، من مستثمرين يعرفون السوق ويعيشون تفاصيله، لا من مشتري سندات يبحث عن عائد سريع ويخرج عند أول رياح إقليمية. ولو أضفنا إلى ذلك أن استثمارات المحفظة عادت للتدفق للداخل (4.2 مليار دولار)، فإن الصورة تتضح: السوق المصري يستعيد تدريجيًا مكانته كوجهة مفضلة للسيولة الإقليمية والدولية.

لكن لا يجب أن يتحول هذا إلى احتفال مبكر. العجز الجاري اتسع إلى 22.5 مليار دولار، أي أن مصر تستورد سلعًا وخدمات ومدفوعات أرباح أكثر بكثير مما تُصدّر، والفارق يُمول من التدفقات الرأسمالية. وهذا النموذج يعمل طالما استمرت التدفقات — لكنه يظل رهينة لحسابات المستثمرين الأجانب ومزاج الأسواق العالمية. التحدي الحقيقي الذي يجب أن تراقبه الأرقام القادمة هو: هل تتحول هذه التدفقات إلى طاقة إنتاجية وصادرات فعلية تقلص العجز التجاري السلعي، أم تظل مصر مستهلكة للسيولة الأجنبية في تمويل فجواتها؟ تحويلات العاملين بالخارج وإيرادات السياحة وعودة قناة السويس (المسجلة في فائض الخدمات 16.7 مليار دولار) هي الأعمدة التي يجب أن تنمو — لأنها العملة الصعبة «المملوكة» وليست «المستأجرة».

للمواطن والمستثمر المصري، الرسالة العملية من هذا التقرير مزدوجة: إيجابية في المدى القريب — الاستقرار النقدي مدعوم بتدفقات حقيقية، وهذا يخفف الضغط على الجنيه — وحذرة في المدى المتوسط: انتعاش السوق العقاري (2.8 مليار دولار من غير المقيمين) يعني استمرار صعود الأسعار في العقارات، والعقار يظل ملاذًا للمصريين، لكن التضخم في الأصول العقارية سيزيد صعوبة امتلاك السكن للشرائح الوسطى. راقبوا ثلاثة مؤشرات في التقارير القادمة: حجم الصادرات غير البترولية، ونمو تحويلات المصريين بالخارج، وهل تتكرر صفقات كبرى بحجم رأس الحكمة — لأن الأرقام القياسية التي تعتمد على صفقة واحدة لا تصنع نموذجًا اقتصاديًا مستدامًا.

المصادر: البنك المركزي المصري – تقرير أداء ميزان المدفوعات للعام المالي 2025/2026 (12 أكتوبر 2026)، جريدة حابي، فينتك جيت، ووكالة رويترز.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img