تعتزم شركتان مصريتان صينيتان ضخ استثمارات صينية مبدئية تصل إلى 500 مليون دولار للتوسع في تصنيع مهمات الكهرباء داخل مصر، في خطوة تستهدف زيادة القدرات التصنيعية المحلية وإنشاء محطات محولات جديدة، وتوسيع دور الصناعة المصرية في مشروعات شبكات النقل والتوزيع والطاقة المتجددة. وأعلنت الشركتان، وهما «إكس دي إيجيماك» و«شينت إيجيماك»، خطتهما يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، بحسب ما نقلته «الشرق بلومبرج».
الرقم المعلن ليس صغيرا في حسابات قطاع الكهرباء. نصف مليار دولار موجهة إلى مصانع وخطوط إنتاج ومحطات محولات تعني أن الشركتين لا تخططان لمجرد زيادة محدودة في الطاقة الإنتاجية، بل لتوسع واسع يغطي مراحل مختلفة من سلسلة تصنيع مهمات الكهرباء، بدءا من المعدات ذات الجهد العالي والفائق، وصولا إلى لوحات التوزيع وأكشاك المحولات ووحدات الربط الحلقي والقواطع المستخدمة في شبكات الجهد المنخفض والمتوسط.
تفاصيل خطة استثمارات صينية جديدة في مهمات الكهرباء
تقوم الخطة، وفق الإعلان، على عدة محاور متكاملة. المحور الأول هو زيادة القدرات التصنيعية القائمة، بما يسمح بإنتاج كميات أكبر من المهمات المطلوبة لمشروعات الكهرباء الجارية والمخططة. والمحور الثاني هو توطين تصنيع مهمات الكهرباء التي تعتمد مصر في جانب منها على الاستيراد، وهو ملف تعمل عليه الدولة منذ سنوات ضمن سياسة أوسع لتعميق التصنيع المحلي وتقليل الضغط على العملة الأجنبية.
أما المحور الثالث فيتعلق بإضافة خطوط إنتاج جديدة داخل المصانع القائمة أو في توسعات ملحقة بها، بما يفتح الباب أمام منتجات لم تكن تصنع محليا بنفس الحجم أو بنفس المواصفات. ويأتي المحور الرابع مرتبطا بإنشاء محطات محولات وتنفيذ مشروعات بنظام تسليم المفتاح، أي أن الشركة تتولى التصميم والتوريد والتركيب والتشغيل حتى تسليم المحطة جاهزة للعمل ضمن شبكات نقل وتوزيع الكهرباء.
وترتبط هذه المشروعات أيضا بقطاع الطاقة المتجددة، إذ تحتاج محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى محولات ومهمات ربط ونقل وتوزيع لنقل الكهرباء المنتجة إلى الشبكة القومية. وكلما زادت مشروعات الطاقة المتجددة، زاد الطلب على هذه المعدات، وأصبح وجود قاعدة تصنيع محلية قادرة على توريدها في مواعيد مضبوطة وبمواصفات معتمدة عاملا مؤثرا في سرعة تنفيذ المشروعات وتكلفتها.
إكس دي إيجيماك.. خبرة طويلة في مهمات الكهرباء ذات الجهد العالي
شركة «إكس دي إيجيماك» هي الأقدم بين الشركتين، إذ تأسست عام 2009 كمشروع مشترك بين شركة إيجيماك المصرية وشركة تشاينا إكس دي الصينية. وتتوزع ملكيتها بواقع 51% للجانب الصيني و49% للجانب المصري، وهي نسبة تتكرر في الشركة الشقيقة أيضا، وتعكس صيغة الشراكة التي تجمع بين الخبرة والتقنية الصينية في صناعة المعدات الثقيلة، وبين الحضور المحلي والمعرفة بالسوق المصرية ومتطلبات شبكتها.
تتخصص إكس دي إيجيماك في مهمات الجهد العالي والفائق، وهي الفئة الأثقل والأكثر حساسية في شبكات الكهرباء، وتشمل المحولات والمفاتيح والمعدات التي تعمل على الجهود الكبيرة اللازمة لنقل الكهرباء لمسافات طويلة من محطات التوليد إلى مراكز الأحمال والمدن. وخلال سنوات عملها، نفذت الشركة نحو 37 محطة محولات بنظام تسليم المفتاح، من بينها 7 محطات بجهد 500 كيلوفولت، وهو أعلى جهود شبكة النقل المصرية وأهمها في ربط مشروعات التوليد الكبرى.
كما شاركت الشركة في مشروعات قومية بارزة، في مقدمتها مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، أحد أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في المنطقة، ومشروعات الدلتا الجديدة التي تتطلب بنية تحتية واسعة للكهرباء لخدمة الاستصلاح الزراعي والمناطق العمرانية والخدمية المرتبطة به. هذه الخلفية تمنح الشركة سجلا تنفيذيا داخل مصر، يجعل توسعها الجديد امتدادا لنشاط قائم وليس دخولا من الصفر إلى سوق مجهولة.
شينت إيجيماك ودورها في مهمات الكهرباء منخفضة ومتوسطة الجهد
أما شركة «شينت إيجيماك» فقد تأسست عام 2017، كمشروع مشترك بين إيجيماك المصرية ومجموعة شينت الصينية، وبنفس هيكل الملكية تقريبا، 51% للجانب الصيني و49% للجانب المصري. وتعمل الشركة في شريحة مختلفة ومكملة لشريحة شقيقتها الكبرى، إذ تركز على مهمات الجهد المنخفض والمتوسط، وهي المعدات الأقرب إلى المستهلك النهائي وإلى شبكات التوزيع داخل المدن والمناطق الصناعية والسكنية.
تشمل منتجات شينت إيجيماك لوحات التوزيع وأكشاك المحولات ووحدات الربط الحلقي وقواطع الدائرة، وهي مكونات لا غنى عنها في أي شبكة توزيع حديثة، وتدخل في تغذية الأحياء السكنية والمصانع والمشروعات التجارية والخدمية. وقد وردت الشركة منتجاتها إلى مشروعات كبيرة، من بينها مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة، ومحطة الضبعة النووية، وهو ما يعكس اعتماد منتجاتها في مشروعات تتطلب مواصفات فنية واعتمادات صارمة.
تكامل الشركتين يمنح التحالف المصري الصيني حضورا على امتداد سلسلة الكهرباء كاملة تقريبا، من محطات المحولات العملاقة بجهد 500 كيلوفولت، إلى كشك المحولات داخل حي سكني جديد. وهذا التكامل تحديدا هو ما يجعل إعلان الاستثمارات الجديدة لافتا، لأنه لا يخص منتجا واحدا أو مصنعا واحدا، بل منظومة تصنيع تغطي النقل والتوزيع معا.
استثمارات صينية وتوطين الصناعة.. لماذا تحتاج مصر مهمات الكهرباء المحلية الآن؟
تعمل مصر منذ سنوات على توسيع شبكة الكهرباء وتحديثها، مع نمو الطلب على الطاقة بفعل الزيادة السكانية والتوسع العمراني والمدن الجديدة والمشروعات الصناعية والزراعية الكبرى. وكل توسع في الشبكة يعني طلبا إضافيا على المحولات ولوحات التوزيع والقواطع وأكشاك المحولات، وإذا ظل الجزء الأكبر من هذه المهمات مستوردا، بقيت فاتورة الاستيراد مرتفعة وبقيت المشروعات رهينة لأسعار الشحن العالمية ومواعيد التسليم الخارجية وتقلبات العملة.
توطين هذه الصناعة محليا يغير هذه المعادلة تدريجيا. فالمعدة المصنعة داخل مصر توفر جزءا من تكلفتها بالعملة المحلية، وتخلق فرص عمل في المصانع وسلاسل التوريد المرتبطة بها، وتختصر زمن التوريد والصيانة وقطع الغيار. كما يمنح وجود مصنعين محليين بمواصفات معتمدة شركات التوزيع والنقل مرونة أكبر عند التخطيط لمشروعات جديدة أو أعمال إحلال وتجديد في الشبكات القائمة.
يضاف إلى ذلك عامل الطاقة المتجددة. فخطط التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تحتاج إلى محطات محولات ومهمات ربط قادرة على استيعاب قدرات متغيرة على مدار اليوم، وإلى شبكات نقل تنقل الكهرباء من مناطق الإنتاج في الصعيد وساحل البحر الأحمر وخليج السويس إلى مراكز الاستهلاك. وكل مشروع متجدد جديد يخلق طلبا موازيا على مهمات الكهرباء، سواء في محطة الربط أو في خطوط النقل أو في شبكات التوزيع التي تستقبل الأحمال الجديدة.
في الوقت نفسه، لا يعني إعلان الاستثمارات أن أثره سيظهر غدا. فبين الإعلان عن خطة استثمارية وبين تشغيل خط إنتاج جديد أو تسليم محطة محولات كاملة مسافة زمنية تشمل الإنشاءات واستيراد المعدات والتركيب والاختبارات والاعتمادات. كما أن كلمة «تعتزم» في الإعلان تعني أن الرقم المعلن خطة مبدئية معلنة من الشركتين، وليس إنفاقا تم بالفعل. الفارق بين الاثنين مهم لأي متابع جاد لهذا الملف.
تحليل الفلوس
الأهمية الحقيقية لاستثمارات بقيمة 500 مليون دولار في مهمات الكهرباء لا تقاس بالرقم وحده، بل بما يمكن أن تغيره في فاتورة واردات قطاع كامل. مصر تستورد جزءا مؤثرا من معدات الكهرباء الثقيلة ومكونات شبكات التوزيع، وكل نسبة من هذا الاستيراد تتحول إلى تصنيع محلي تعني وفرا في الدولار وضغطا أقل على الميزان التجاري، إلى جانب قيمة مضافة تبقى داخل الاقتصاد في صورة أجور ومدخلات محلية وخدمات لوجستية وصيانة. وإذا صاحب التوسع رفع حقيقي لنسبة المكون المحلي داخل كل محول ولوحة توزيع، لا مجرد تجميع نهائي لمكونات مستوردة، فإن الأثر سيكون أعمق بكثير من مجرد رقم استثماري في بيان صحفي.
على صعيد التوظيف والمشروعات، يمكن لخطوط الإنتاج الجديدة ومحطات المحولات المخططة أن تدعم فرص عمل مباشرة في التصنيع والهندسة والتركيبات، وغير مباشرة لدى موردي المعادن والعوازل والكابلات والنقل. كما أن توافر مهمات مصنعة محليا وبمواعيد توريد أقصر يدعم مشروعات الطاقة المتجددة والمدن الجديدة، التي تتأثر جداولها الزمنية عادة بتأخر توريد المعدات المستوردة. غير أن هذا الأثر يظل مشروطا بسرعة التنفيذ وبقدرة الشركتين على تحويل الإعلان إلى عقود ومصانع عاملة، لا البقاء عند مرحلة النوايا.
ما يجب متابعته في الفترة المقبلة محدد وواضح: الجدول الزمني المعلن لبدء التنفيذ وضخ الدفعات الأولى، ونسبة المكون المحلي المستهدفة في المنتجات الجديدة، وعدد خطوط الإنتاج التي ستضاف فعليا ومواقعها، وحجم العقود التي ستحصل عليها الشركتان في مشروعات النقل والتوزيع والطاقة المتجددة. عندها فقط يمكن الحكم على ما إذا كان هذا الإعلان بداية تحول صناعي فعلي في قطاع الكهرباء المصري، أم مجرد توسع تجاري تقليدي بلغة أكبر من حجمه الحقيقي.







