واصلت أسعار النفط صعودها الحاد يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، لتسجل خام برنت أعلى مستوى له منذ مايو الماضي، بعدما قفزت العقود الآجلة بأكثر من 1% مدفوعة بمخاوف من تعطل الإمدادات عقب هجمات للحوثيين داخل السعودية وتعثر إضافي في الإنتاج الليبي، بحسب ما نقلته وكالة رويترز. وارتفعت أسعار النفط إلى مستويات لم يشهدها السوق منذ أشهر، في أسبوع ثالث على التوالي من المكاسب لخام برنت.
ووفقًا لرويترز، صعدت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.30 دولار، أي بنسبة 1.2%، لتسجل 114.47 دولار للبرميل عند الساعة 06:39 بتوقيت جرينتش يوم الجمعة، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 1.37 دولار، أي بنسبة 1.4%، ليصل إلى 100.84 دولار للبرميل، مخترقًا حاجز المئة دولار الذي ظل بعيدًا لأسابيع طويلة. وجاءت القفزة بعد جلسة الخميس التي أغلق فيها برنت عند 113.17 دولار للبرميل، مرتفعًا بنحو 4%، وهو أعلى إغلاق له منذ 4 مايو الماضي.
أسعار النفط تتحول من هبوط آسيوي إلى قفزة قوية
لم يبدأ اليوم على هذا الإيقاع الصاعد. ففي التعاملات الآسيوية المبكرة عند الساعة 00:30 بتوقيت جرينتش، كان برنت يتداول عند 112.96 دولار للبرميل، منخفضًا بنحو 0.2%، في حركة بدت كجني أرباح بعد صعود الخميس القوي. لكن مع تقدم ساعات الصباح في أوروبا، تغيرت الصورة بالكامل. رصدت شاشات التداول نبضة أولى أوصلت برنت إلى نطاق 114.00 إلى 114.10 دولار، بزيادة تراوحت بين 0.73% و0.9%، والخام الأمريكي إلى 100.38 دولار، قبل أن تتسع المكاسب إلى المستويات المسجلة عند 06:39 بتوقيت جرينتش.
هذا الانعكاس داخل الجلسة الواحدة يكشف طبيعة السوق الحالية: أي خبر جديد عن البحر الأحمر أو الخليج يكفي لقلب اتجاه الأسعار خلال دقائق. المتعاملون الذين باعوا في الصباح الباكر على أمل تهدئة، وجدوا أنفسهم أمام موجة شراء جديدة مع انتشار أنباء التطورات السعودية والليبية، فاضطروا لتغطية مراكزهم، وهو ما ضخم الحركة الصاعدة. وبحسب حسابات رويترز، يتجه برنت الآن لإغلاق مرتفع للأسبوع الثالث على التوالي، بينما يتجه الخام الأمريكي لإنهاء الأسبوع الثاني على التوالي على ارتفاع.
هجمات الحوثيين وإخلاء مقر أرامكو في الظهران يشعلان أسعار النفط
المحرك الرئيسي للقفزة، كما ذكرت رويترز، هو تصاعد هجمات الحوثيين في السعودية. فقد أمرت شركة أرامكو السعودية بإخلاء مقرها الرئيسي في الظهران يوم الخميس، في خطوة غير معتادة تعكس جدية التهديد. الظهران ليست مدينة نفطية عابرة؛ هي قلب صناعة النفط السعودية، وبجوارها منشآت حيوية لمعالجة الخام وتصديره. إخلاء المقر الرئيسي، حتى لو كان احترازيًا، يرسل إشارة للأسواق بأن المخاطر لم تعد نظرية.
بالتوازي مع ذلك، دفع الحوثيون باتجاه مضيق باب المندب، واندلعت اشتباكات مع قوات التحالف الذي تقوده السعودية. باب المندب هو الممر الذي تعبره ناقلات النفط والحاويات بين البحر الأحمر وقناة السويس، وأي تهديد فعلي لحركة الملاحة فيه يعيد إلى الأذهان أزمة الشحن التي رفعت تكاليف النقل والتأمين خلال العامين الماضيين. حتى الآن لم تعلن أي جهة توقفًا كاملًا للملاحة، لكن مجرد اقتراب القتال من المضيق يكفي لدفع شركات الشحن والتأمين إلى رفع أسعارها، ويدفع المتعاملين في النفط إلى تسعير علاوة خطر إضافية على كل برميل.
نقلت رويترز عن محللي بنك آي إن جي قولهم يوم الجمعة إن الأسواق قلقة من تجدد التصعيد في الخليج الفارسي بما يهدد تدفقات النفط التي ظلت صامدة حتى الآن رغم التوترات. ويرى البنك أن إعادة التصعيد هي المسار الأكثر ترجيحًا في الفترة المقبلة، وأن علاوة مخاطر جيوسياسية كبيرة ستظل على الأرجح جزءًا من السعر لفترة ليست قصيرة. أما لينه تران، المحللة لدى إكس إس دوت كوم، فدعت بحسب رويترز إلى مراقبة حجم التعطل الفعلي للإمدادات ومدة استعادة الإنتاج والتشغيل الطبيعي، لأن السوق سيعيد التسعير بسرعة إذا تبين أن الضرر محدود وقصير الأجل.
ليبيا تضغط من اتجاه آخر: إغلاق صمام خط حمادة ـ الطهارة
في ليبيا، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط إغلاق صمام على خط الأنابيب الرابط بين حقلي حمادة والطهارة وميناء الزاوية، ما أدى إلى خفض الإنتاج. لم تعلن المؤسسة أرقامًا نهائية لحجم الخسارة اليومية حتى ظهر الجمعة، لكن أي توقف في ليبيا، التي تضخ أكثر من مليون برميل يوميًا في الظروف العادية، يضيق السوق الفعلي للخامات الخفيفة في البحر المتوسط، ويزيد الضغط على المشترين الأوروبيين الذين يعتمدون على إمدادات قصيرة المسافة.
اجتمع عاملان في يوم واحد: خطر جيوسياسي يهدد أكبر مصدر للنفط في العالم ومنشآته، وتعطل فعلي في دولة منتجة أخرى. هذا الاجتماع هو ما يفسر لماذا لم يكتف السوق بعلاوة صغيرة، بل دفع برنت فوق 114 دولارًا. التجارب الأخيرة علمت المتعاملين أن التعطلات المنفردة يمكن امتصاصها من المخزونات ومن طاقة أوبك بلس الاحتياطية، أما التعطلات المتزامنة فتترك السوق بلا وسادة مريحة، خصوصًا إذا امتدت إلى ممرات الشحن نفسها.
للمزيد عن حركة الصباح الأولى يمكن الرجوع إلى تغطية الفلوس الصباحية حول أسعار النفط صباح الجمعة، التي رصدت بداية التحرك قبل تسارعه في الجلسة الأوروبية.
ماذا يعني برنت عند 114 دولارًا لمصر؟
مصر مستورد صاف للنفط ومشتقاته، وكل دولار يضاف إلى سعر البرميل يترجم مباشرة إلى فاتورة استيراد أثقل وضغط أكبر على الموازنة والاحتياطي من العملة الصعبة. الموازنة العامة بنيت افتراضاتها على أسعار أقل بكثير من 114 دولارًا، والفارق الحالي، إذا استمر لأسابيع، يعني عبئًا إضافيًا بمئات الملايين من الدولارات شهريًا بين استيراد الخام والمنتجات البترولية والغاز المسال في فترات ذروة الطلب.
على مستوى الأسعار المحلية، لم تعلن لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية أي زيادة جديدة حتى صباح الجمعة. ووفق آخر الأسعار المعلنة التي غطتها الفلوس في تقرير أسعار البنزين والسولار اليوم، يباع بنزين 92 بسعر 22.25 جنيه للتر، والسولار بسعر 20.50 جنيه للتر. استمرار برنت فوق 110 دولارات حتى موعد اجتماع اللجنة المقبل سيضع اللجنة أمام حسابات صعبة: تكلفة الاستيراد والإنتاج ارتفعت، وسعر الصرف يضغط بدوره، لكن أي زيادة جديدة في البنزين والسولار تنتقل بسرعة إلى أجور النقل وأسعار الغذاء وتغذي التضخم الذي تحاول الحكومة والبنك المركزي احتواءه.
التأثير لا يقتصر على الوقود. ارتفاع النفط يرفع تكلفة الشحن عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ويزيد أقساط التأمين على السفن، ويرفع في الوقت نفسه فاتورة الأسمدة والبلاستيك والبتروكيماويات المرتبطة بالنفط والغاز. في المقابل، تستفيد مصر جزئيًا إذا ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال عالميًا ونجحت في تصدير شحنات بأسعار أعلى، لكن الميزان العام في فترات قفزات النفط يظل لصالح كفة الاستيراد، خاصة في أشهر الصيف والذروة.
تحليل الفلوس
القفزة إلى 114.47 دولار ليست مجرد رقم قياسي لخمسة أشهر؛ هي تسعير لسوق بات يتعامل مع الخطر كحالة دائمة لا كحادث عابر. إخلاء مقر أرامكو في الظهران والاقتراب من باب المندب وتعطل ليبيا في يوم واحد، كلها عناصر تجعل علاوة المخاطر التي تحدث عنها محللو آي إن جي مفهومة. السؤال الحقيقي الآن ليس هل يستحق برنت علاوة خطر، بل كم حجمها وكم ستدوم. إذا مرت الأيام المقبلة دون ضرب منشأة تصدير فعلية ودون إغلاق للمضيق، ستبدأ السوق في اختبار مستويات أقل، لأن الطلب العالمي لا ينمو بالسرعة التي تبرر 114 دولارًا وحده. أما إذا حدث تعطل فعلي قابل للقياس في الصادرات السعودية أو الليبية، فالحديث عن 120 دولارًا سيصبح مطروحًا بجدية.
بالنسبة لمصر، الرسالة العملية واضحة: لا تنتظروا قرار لجنة التسعير لتقدير الأثر. الأثر بدأ بالفعل في فاتورة الاستيراد وفي تكلفة الشحن والتأمين، وسيظهر تباعًا في أسعار السلع المنقولة والمستوردة حتى لو ثبتت أسعار البنزين والسولار عند 22.25 و20.50 جنيه مؤقتًا. على المستثمر والمواطن معًا متابعة ثلاثة مؤشرات في الأسبوع المقبل: إغلاق برنت الأسبوعي وهل يحافظ على ما فوق 110 دولارات، وبيانات حركة الملاحة في باب المندب كما ترصدها شركات الشحن، وأي بيان جديد من المؤسسة الوطنية للنفط الليبية عن استعادة خط حمادة ـ الطهارة. هذه المؤشرات الثلاثة ستحدد إن كانت قفزة الجمعة بداية موجة أطول أم ذروة خوف قصيرة العمر.







