أوقفت إدارة البورصة المصرية جلسة تداول اليوم الأحد 25 أكتوبر 2026 لمدة نصف ساعة كاملة، بعدما هبط مؤشر EGX100 متساوي الأوزان بنسبة 10%، في تفعيل نادر لآلية «قاطع التداول» المخصصة لجلسات الهبوط الحاد. وجاء القرار، الذي أُعلن في حدود الساعة الواحدة والربع ظهرًا بتوقيت القاهرة وفق ما نقلته جريدة حابي وإيجي إن، بعدما خسر رأس المال السوقي للأسهم المقيدة نحو 261 مليار جنيه خلال ثلاث ساعات فقط من عمر الجلسة، ليهبط إلى 3.688 تريليون جنيه، بضغط واضح من المبيعات الأجنبية.
البورصة المصرية تفعل قاطع التداول: أرقام لحظة الإيقاف
عند لحظة الإيقاف، كان المؤشر الرئيسي EGX30 قد عمّق خسائره إلى 5.35% ليتداول عند مستوى 48,321 نقطة، مواصلًا الابتعاد عن حاجز 50 ألف نقطة الذي كسره في منتصف الجلسة. أما الضربة الأقسى فكانت في الأسهم الصغيرة والمتوسطة؛ إذ هوى مؤشر EGX70 متساوي الأوزان بنسبة 11.51% إلى مستوى 15,205 نقاط، وتراجع EGX100 متساوي الأوزان بنسبة 10% إلى 20,805 نقاط، بينما انخفض مؤشر الشريعة الإسلامية بنسبة 6.5% إلى 5,645 نقطة.
وامتد اللون الأحمر إلى خريطة السوق كلها تقريبًا؛ إذ تراجعت أسهم نحو 205 شركات مقابل استقرار 12 شركة فقط دون تغيير وعدد محدود من الرابحين، وهو توزيع يعكس موجة بيع جماعية لا جني أرباح انتقائيًا. وكانت الجلسة قد بدأت أصلًا على هبوط حاد خسر فيه رأس المال السوقي 61 إلى 63.6 مليار جنيه في أول نصف ساعة، قبل أن تتسارع الخسائر مع تقدم التعاملات حتى بلغت أكثر من أربعة أضعاف رقم الافتتاح عند الإيقاف.
ماذا يعني إيقاف التداول نصف ساعة؟ آلية قاطع التداول في البورصة المصرية
تنص قواعد التداول في البورصة المصرية على إيقاف الجلسة لمدة نصف ساعة إذا هبط مؤشر EGX100 متساوي الأوزان بنسبة 10% خلال الجلسة نفسها، وذلك بخلاف الإيقافات المؤقتة القصيرة التي تطال أسهمًا بعينها عند تجاوزها حدود التحرك السعري اليومية، والتي شهدتها جلسة اليوم أيضًا منذ مستهلها. الهدف من القاطع العام ليس منع الهبوط، بل كسر حدة الذعر: إعطاء المتعاملين وقتًا لمراجعة مراكزهم، ومنع تنفيذات متسلسلة بأسعار تتشكل تحت ضغط لحظي، ثم استئناف التداول بأسعار اكتشاف أكثر هدوءًا.
تفعيل هذه الآلية حدث لا يتكرر كثيرًا في السوق المصرية، ووقوعه في أولى جلسات الأسبوع يضع جلسة اليوم ضمن أعنف جلسات عام 2026 حتى الآن، خاصة أنه يأتي استكمالًا لأسبوع دامٍ خسر فيه السوق 111 مليار جنيه في جلسة الخميس وحده، وتراجع فيه المؤشر الرئيسي بأكثر من 3%، وسط خروج أجنبي واسع من أدوات الدين المحلية.
الدولار يلامس 55.80 جنيه أثناء الجلسة.. ضغط مزدوج على الأسهم
لم تكن موجة البيع معزولة عن سوق الصرف؛ فقد واصل سعر الدولار صعوده داخل البنوك أثناء جلسة اليوم، بعدما استهل اليوم عند 55.24 جنيه للشراء و55.38 جنيه للبيع في البنك المركزي المصري، كما رصدت «الفلوس» في تغطية سعر الدولار صباح الأحد. وبحلول الساعة 12:42 ظهرًا، أظهرت آخر تحديثات البنوك وصول الدولار في عدد منها إلى 55.70 جنيه للشراء و55.80 جنيه للبيع، وسجل في البنك الأهلي المصري وبنك HSBC نحو 55.68 جنيه للشراء و55.78 جنيه للبيع، وفي بنك فيصل الإسلامي 55.69 و55.79 جنيه، بينما سجل بنك التنمية الصناعية 55.66 و55.76 جنيه. أي أن العملة الأمريكية أضافت نحو 40 قرشًا جديدة داخل جلسة واحدة، مقتربة من مستوى 56 جنيهًا للمرة الأولى.
هذا التزامن بين قفزة الصرف وهبوط الأسهم له تفسير مباشر: كل صعود جديد في الدولار يعيد تسعير مخاطر الأصول المقومة بالجنيه لدى المستثمر الأجنبي، ويدفعه لتقليص مراكزه في الأسهم وأذون الخزانة معًا. وخلال الأسبوع الماضي وحده، ارتفع الدولار بنحو 3.4% أمام الجنيه بالتوازي مع خروج يقترب من ملياري دولار من استثمارات الأجانب في أذون الخزانة، في وقت يقف فيه خام برنت فوق 116 دولارًا للبرميل، ما يرفع فاتورة استيراد الطاقة ويغذي توقعات التضخم محليًا وعالميًا.
ماذا يحدث بعد استئناف التداول؟ وما الذي يترقبه السوق هذا الأسبوع؟
بعد انتهاء نصف ساعة الإيقاف تستأنف البورصة المصرية التداول حتى موعد الإغلاق المعتاد، وستكون الدقائق الأولى بعد الاستئناف هي الاختبار الحقيقي: هل تظهر طلبات شراء مؤسسية عند المستويات المتراجعة، كما بدأت المؤسسات المحلية تفعل في منتصف الجلسة، أم يستمر البيع بالوتيرة نفسها حتى يضطر السوق لإغلاق عند أدنى مستوياته؟ تاريخيًا، جلسات تفعيل القاطع تنتهي غالبًا بخسائر كبيرة لكن بوتيرة أهدأ بعد الاستئناف، لأن جزءًا من البيع الذعري يكون قد استُنفد قبل الإيقاف.
وخلال بقية الأسبوع تترقب السوق محطات ثقيلة: اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، وتحركات سعر الصرف لحظة بلحظة بعد اختراقه مستويات قياسية، وأسعار النفط العالمية، إضافة إلى الإعلان الرسمي غدًا الاثنين عن السعر النهائي لطرح بنك القاهرة التاريخي عند 5.30 جنيه للسهم بعد توسيعه إلى 45% من أسهم البنك. نجاح هذا الطرح رغم اضطراب السوق سيكون رسالة ثقة مهمة، وأي اهتزاز فيه سيضيف عبئًا جديدًا على معنويات المتعاملين.
تحليل الفلوس
تفعيل قاطع التداول ليس حكمًا على البورصة المصرية بقدر ما هو اعتراف رسمي بأن الجلسة خرجت عن إيقاعها الطبيعي. الفارق الجوهري بين جلسة اليوم وجلسات هبوط كثيرة سابقة أن المحرك هذه المرة مزدوج ومتزامن: دولار يقفز 40 قرشًا داخل اليوم نفسه، وخروج أجنبي من أدوات الدين يقترب من ملياري دولار في أسبوع، ونفط فوق 116 دولارًا يعيد إشعال مخاوف التضخم. عندما تتقاطع هذه العوامل الثلاثة، لا يعود الهبوط قرارًا استثماريًا هادئًا، بل رد فعل دفاعيًا جماعيًا، ولهذا كان هبوط EGX70 بنسبة 11.5% أخطر من هبوط المؤشر الرئيسي نفسه؛ فهو مؤشر محافظ الأفراد المصريين، وخسائره بهذا الحجم تضعف القوة الشرائية المحلية التي يفترض أن تمتص البيع الأجنبي.
لكن الصورة ليست سوداء بالكامل، ويجب ألا تُقرأ كذلك. رأس المال السوقي عند 3.688 تريليون جنيه ما زال أعلى بكثير من مستويات بداية العام، وكثير من الأسهم القيادية عادت بمضاعفات ربحية منخفضة تاريخيًا بعد تراجعات متراكمة، والمؤسسات المحلية أظهرت في منتصف الجلسة استعدادًا للشراء عند الانخفاضات. ما سيحسم اتجاه الأسبوع كله ليس إغلاق اليوم وحده، بل ثلاث إشارات: استقرار الدولار دون قفزات جديدة، وهدوء وتيرة خروج الأجانب من أذون الخزانة، ونبرة البنك المركزي في اجتماعه المقبل. حتى تظهر هذه الإشارات، القاعدة الذهبية للمتعامل الفرد هي إدارة المخاطر لا مطاردة القاع: لا شراء بالهامش في جلسات بهذا العنف، ولا بيع ذعري عند الاستئناف، وتقسيم أي قرار على مراحل بدل تنفيذه دفعة واحدة في سوق لم يقل كلمته الأخيرة بعد.







