في فبراير 2011، وبينما كانت مصر تعيش أيامًا فارقة بعد ثورة 25 يناير، جلس الدكتور كمال الجنزوري، رئيس وزراء مصر الأسبق، أمام الكاميرات لأول مرة منذ 11 عامًا، ضيفًا على برنامج «العاشرة مساءً» مع الإعلامية منى الشاذلي على قناة دريم. لم يكن اللقاء مجرد استعادة لذكريات رجل حكم مصر بين عامي 1996 و1999، بل تحوّل إلى واحدة من أقوى المرافعات الاقتصادية التي سمعها المصريون عن ملف يمسّ حياتهم اليومية حتى هذه اللحظة: ملف الدعم. ففي هذا اللقاء فكّك الجنزوري ما سمّاه «أكذوبة الدعم»، وقال عبارته التي ما زالت تتردد حتى اليوم: «الشعب هو اللي بيدعم الدولة، مش العكس».
كيف صُنعت أرقام «دعم البترول»؟
بدأ الجنزوري هجومه من نقطة الحساب نفسها. قال إن الدولة «اخترعت بدعة» اسمها دعم البترول: «بدأنا كده دعم البترول 20، 30، 40، وصلناها 80 مليار، في ليلة ما صاروا على 100». أرقام تتضخم عامًا بعد عام حتى بدت وكأن الدولة تنفق ثروة ضخمة من جيبها على المواطنين، بينما الحقيقة، في رأيه، مختلفة تمامًا. فالبترول الذي يُنتَج من أرض مصر «ملك الدولة وملك الشعب»، فكيف يُحسَب بيعه للمواطن بسعر أقل من سعر تصديره «دعمًا»؟ وضرب مثالًا صارخًا ليكشف عبثية هذا المنطق: «لو كنت ببيعه برّه كنت ببيعه بـ100، وببيعه هنا بـ20، يبقى أنت دعم 80؟ طب ما بالمنطق ده المية تطلع دعم 200 مليار!».
ولم يتوقف النقد عند المنطق، بل امتد إلى المحاسبة ذاتها. فأوضح أن وزير المالية آنذاك كان يضع هذا الرقم الوهمي في الموازنة مرتين: مرة في المصروفات ومرة في الإيرادات، «والنتيجة إن الميزانية صفر»، أي أن الرقم لم يكن مالًا حقيقيًا يخرج من خزينة الدولة إلى الناس، بل قيدًا دفتريًا يضخّم حجم الموازنة ويصنع انطباعًا مضللًا بسخاء غير موجود. والأخطر، كما قال، أن هذا الرقم صار ذريعة جاهزة: «كل شيء يقول الدعم 80، ويطلع الواحد يقول لابد إن احنا نعيد النظر في الدعم». هنا جاء رده الأشهر: «يا ابني ده أنا اللي بدعمه.. الشعب هو اللي بيدعم الدولة»، مستدلًا بأن الدولة هي التي تتمتع بموارد الشعب: «الدولة الممثلة في الحكومة بتركب عربياتها وبتسافر وبتعمل قصور.. ده الدعم أنت اللي واخده من الناس، مش العكس».
فما هو الدعم الحقيقي إذن؟
لم ينكر الجنزوري وجود دعم حقيقي، لكنه حصَره في تعريف دقيق: الدعم هو فقط الجزء الذي تستورده الدولة من الخارج وتبيعه في الداخل بأقل من تكلفته: «الدعم فين؟ اللي أنت بتستورده، بتجيبه بخمسة وبتبيعه ليّ بأربعة، يبقى ده الدعم». وينطبق هذا، في كلامه، على شحنات البوتاجاز وبعض المنتجات البترولية المستوردة، لا على ثروة البلاد الطبيعية ذاتها. أما دعم السلع التموينية، فأرقامه الحقيقية، كما قال، متواضعة جدًا إذا قورنت بالأرقام المعلنة: «الدعم الحقيقي اللي هو 13 مليار جنيه لسلع تموينية، منهم 10 مليار لرغيف العيش». ثم قارن ذلك بما تحصل عليه قلة قليلة من كبار المصدّرين تحت بند «دعم الصادرات»: «طب ما تدفع 4 مليار للمصدرين لـ7-8 أفراد؟ يعني إيه؟ 80 مليون زعلان بتديهم 13 مليار، وكام واحد زعلان بتديهم دعم صادرات 4 مليار؟». خلاصة المرافعة أن كلمة «دعم» استُخدمت لتخويف المواطن وإشعاره بأنه عبء على الدولة، بينما المعادلة الحقيقية معكوسة.
من هو الجنزوري.. ولماذا كان لكلامه هذا الوزن؟
لم يكن كمال الجنزوري وجهًا عابرًا في الحياة العامة. الرجل الذي وُلد عام 1933 وتوفي عام 2021، تولى رئاسة الوزراء بين عامي 1996 و1999، وعُرفت حكومته بالانضباط المالي ومشروعات التنمية الكبرى في الوادي الجديد وتوشكا وسيناء، كما عُرف بلقب ارتبط بالفقراء ومحدودي الدخل الذين وضعهم على رأس أولويات حكومته. وبعد خروجه من المنصب عام 1999 اعتزل الظهور الإعلامي تمامًا، فجاءت إطلالته في «العاشرة مساءً» بعد 11 عامًا من الصمت حدثًا بحد ذاتها، استمع فيها المصريون إلى رجل يتحدث من خارج السلطة وبلا حسابات منصب. ولم تمضِ شهور حتى أعاده المجلس العسكري إلى رئاسة الحكومة في ديسمبر 2011 بصلاحيات استثنائية وُصفت وقتها بأنها «صلاحيات رئيس الجمهورية»، في شهادة عملية على حجم الثقة التي حظي بها الرجل في لحظة فارقة من تاريخ البلاد.
تحليل الفلوس
لماذا يعود هذا الكلام، الذي قيل قبل 15 عامًا، إلى الواجهة اليوم؟ لأن سؤال الجنزوري الأساسي — «من يدعم من؟» — هو السؤال نفسه الذي يتجدد مع كل جولة من جولات تحريك أسعار الطاقة وتعويم الجنيه. فمنذ 2011 مرّت مصر بسلسلة من برامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي، وتعويمات متتالية للعملة في 2016 و2022 و2024، حتى تجاوز سعر الدولار 56 جنيهًا في أكتوبر 2026، وما زالت فاتورة «الدعم» في الموازنة العامة تُقدَّم للرأي العام بأرقام ضخمة كل عام، تُستدعى لتبرير زيادات جديدة في أسعار البنزين والسولار والكهرباء ورغيف الخبز، بينما يرى المواطن دخله يتآكل بالتضخم والغلاء.
نقد الجنزوري المحاسبي ما زال صالحًا كأداة للفهم والمساءلة: فجزء معتبر مما يُسمى «دعمًا» حتى اليوم هو في حقيقته «تكلفة فرصة بديلة» لموارد تملكها الدولة والشعب أصلًا، وليس إنفاقًا نقديًا يخرج من الخزينة، والخلط بين الأمرين يضخّم الرقم ويشوّه النقاش العام. في المقابل، تحرّكت الحكومات المتعاقبة جزئيًا في الاتجاه الذي كان يدعو إليه الرجل ضمنيًا: فصل الدعم الحقيقي عن الوهمي، والتحول التدريجي من دعم السلع المفتوح للجميع إلى الدعم النقدي الموجّه للفئات الأولى بالرعاية عبر برامج مثل «تكافل وكرامة»، وهو اعتراف عملي بأن أرقام الماضي كانت تحتاج إلى إعادة نظر جذرية. غير أن المعركة لم تُحسم: فمع كل اجتماع للجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، وكل مراجعة لبرنامج الصندوق، يعود الجدل ذاته — هل تتحمل الموازنة فعلًا ما يُقال، أم أن المواطن هو من يدفع الفاتورة مرتين: مرة بثروته ومرة بجيبه؟
ما قاله الجنزوري في 2011 لم يكن دفاعًا عن إهدار الموارد، بل مطالبة مبكرة بالصدق في الأرقام: سمّوا الأشياء بأسمائها، واحسبوا الدعم الحقيقي وحده، ثم اسألوا المواطن أن يتحمل نصيبه العادل. وبين دولار يتجاوز 56 جنيهًا وموازنة تُناقش كل عام، يبدو أن هذا الدرس القديم ما زال الدرس الأهم في الاقتصاد المصري حتى اليوم.
📺 المصدر: من لقاء د. كمال الجنزوري في برنامج «العاشرة مساءً» مع منى الشاذلي، قناة دريم، فبراير 2011 — شاهد اللقاء كاملًا: https://www.youtube.com/watch?v=3WXkPpnY_fg







