مشروع دندرة للطاقة الشمسية: 650 مليون دولار من سكاتك وثلاثة بنوك تنمية لتغذية ثلث كهرباء مصر للألمنيوم

Published:

دخلت الطاقة الشمسية في مصر مرحلة جديدة مساء الاثنين 26 أكتوبر، حين شهد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بمقر الحكومة في العاصمة الإدارية الجديدة، توقيع اتفاق الشروط الأولية لتمويل مشروع دندرة للطاقة الشمسية بقيمة تقترب من 650 مليون دولار، بين شركة سكاتك النرويجية وثلاثة بنوك تنمية دولية هي بنك الاستثمار الأوروبي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وبنك التنمية الأفريقي، بحضور المهندس محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة. الاتفاق لا يمول محطة عادية تبيع إنتاجها للشبكة فقط، بل يربط ألف ميجاوات من الشمس في صعيد مصر مباشرة باحتياجات واحد من أقدم وأكبر المصانع الثقيلة في البلاد، وهو مصنع مصر للألمنيوم في نجع حمادي، الذي سيحصل المشروع على نحو ثلث احتياجاته من الكهرباء.

الطاقة الشمسية في مصر تصل إلى قلب الصناعة الثقيلة في نجع حمادي

يقام مشروع دندرة في منطقة نجع حمادي بمحافظة قنا، على مقربة من مجمع مصر للألمنيوم التابع للشركة القابضة للصناعات المعدنية. القدرة الإجمالية تبلغ 1000 ميجاوات من الطاقة الشمسية، مدعومة بنظام تخزين بالبطاريات بسعة 200 ميجاوات ساعة، وهو عنصر حاسم في مشروع يغذي مصنعا يعمل على مدار الساعة ولا يحتمل تذبذب الإمداد مع غروب الشمس. وينفذ المشروع على مرحلتين متساويتين تقريبا، تضم كل مرحلة 500 ميجاوات من الألواح الشمسية و100 ميجاوات ساعة من سعة التخزين، بما يسمح ببدء الإنتاج والتشغيل التجريبي للمرحلة الأولى بينما تستكمل أعمال المرحلة الثانية.

اختيار قنا ليس مصادفة. صعيد مصر يتمتع بأعلى معدلات سطوع شمسي في البلاد، والأراضي الصحراوية المحيطة بنجع حمادي واسعة وغير متنازع عليها زراعيا، والمسافة بين موقع التوليد وموقع الاستهلاك قصيرة، ما يقلل فاقد النقل وتكلفة الربط. هذه المعادلة، توليد قريب من مصنع مستهلك كبير بعقد طويل الأجل، هي تحديدا ما تبحث عنه بنوك التنمية الدولية حين تقرر ضخ مئات الملايين في مشروع واحد.

650 مليون دولار من ثلاثة بنوك تنمية.. وتوقيعات على ثلاثة اتفاقات

الاتفاق الرئيسي الذي جرى توقيعه مساء الاثنين هو اتفاق الشروط الأولية للتمويل، ووقع عليه تيرجي بيلسكوج، الرئيس التنفيذي لشركة سكاتك النرويجية، وجيلسومينا فيجليوتي، نائب رئيس بنك الاستثمار الأوروبي، ومارك ديفيس، المدير الإقليمي للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لمنطقة جنوب وشرق البحر المتوسط، وعبد الرحمن دياو، مدير مكتب بنك التنمية الأفريقي في مصر. مشاركة ثلاثة بنوك تنمية كبرى في تمويل واحد تعني أن المشروع اجتاز فحوصا فنية وبيئية ومالية صارمة، وأن مخاطره موزعة على مؤسسات معتادة على تمويل البنية التحتية طويلة الأجل في الأسواق الناشئة.

ولم يتوقف التوقيع عند التمويل. فقد شهدت المناسبة نفسها توقيع اتفاقين إضافيين يكملان هيكل المشروع. الأول اتفاق ربط المشروع بالشبكة القومية للكهرباء، ووقعته المهندسة منى رزق، رئيس الشركة المصرية لنقل الكهرباء، ومحمد السعداوي، رئيس الشركة القابضة للصناعات المعدنية، ومحمد عامر، رئيس شركة دندرة للطاقة الشمسية، وهي شركة المشروع المنفذة. والثاني اتفاق مشاركة البنك الأهلي المصري في رأس مال شركة المشروع، وقعه محمد عامر مع أحمد السعيد، رئيس الاستثمار في البنك الأهلي. دخول أكبر بنك حكومي مصري مساهما في رأس المال، وليس مقرضا فقط، يمنح المشروع غطاء محليا ويؤكد أن التمويل ليس أجنبيا بالكامل.

الطاقة الشمسية في مصر تخفض البصمة الكربونية للألمنيوم المصري

الحساب الاقتصادي الأهم في هذا المشروع يخص مصنع مصر للألمنيوم نفسه. صناعة الألمنيوم من أكثر الصناعات استهلاكا للكهرباء في العالم، وتكلفة الطاقة تمثل حصة ضخمة من تكلفة إنتاج الطن الواحد، ومن ثم فإن تأمين ثلث احتياجات المصنع من مصدر شمسي بعقد طويل وسعر مستقر نسبيا يحمي المصنع من تقلبات أسعار الغاز والكهرباء التقليدية. لكن القيمة الأكبر قد تكون تجارية لا تشغيلية فقط. بيان الحكومة أشار بوضوح إلى أن المشروع سيخفض البصمة الكربونية للألمنيوم المصري ويدعم تنافسيته التصديرية، في وقت تشدد فيه الأسواق الأوروبية وغيرها اشتراطاتها البيئية على الواردات كثيفة الانبعاثات، وتتجه إلى فرض تكلفة على الكربون المضمّن في المنتجات المستوردة.

الألمنيوم الذي ينتج بطاقة أنظف يصبح أسهل في التسويق وأصعب في الاستبعاد من سلاسل التوريد العالمية. ولهذا السبب تحديدا تراقب مصانع كثيفة الطاقة في مصر، من الأسمدة إلى الحديد والأسمنت، تجربة دندرة عن قرب. فإذا نجح نموذج التمويل والتشغيل هنا، سيصبح قابلا للتكرار مع مصانع أخرى تبحث عن كهرباء نظيفة رخيصة ومستقرة، وسيتحول من مشروع منفرد إلى قالب تعاقدي جاهز.

الصورة الأوسع لا تقل أهمية. الحكومة تستهدف رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 42 بالمئة من مزيج الكهرباء بحلول عام 2030، وكل ميجاوات شمسية تدخل الخدمة تعني غازا طبيعيا لا يحرق في محطات تقليدية، ويمكن توجيهه للتصدير أو للصناعة، أو تجنب استيراد بديل عنه بالعملة الصعبة. وقد حذر الخبير الاقتصادي هاني جنينة في تحليل حديث من أن فاتورة واردات مصر من الطاقة قد تصل إلى 35 مليار دولار، وهو رقم يوضح لماذا لم تعد مشروعات الشمس رفاهية بيئية بل أداة مباشرة لتخفيف الضغط على ميزان المدفوعات. ويأتي ذلك أيضا في سياق سوق طاقة عالمية متوترة، كما ظهر في تطورات أسعار النفط الأخيرة التي ترفع كلفة أي تأخير في التحول نحو مصادر محلية لا تستورد وقودها.

سكاتك النرويجية، مطور المشروع، ليست اسما جديدا في مصر. الشركة من أوائل المطورين الذين بنوا محطات كبرى في مجمع بنبان الشمسي بأسوان، وتملك سجلا تشغيليا فعليا على الشبكة المصرية، وهذه الخبرة المحلية عامل طمأنينة للممولين الثلاثة وللجهات الحكومية على السواء. أما شركة دندرة للطاقة الشمسية، التي يرأسها محمد عامر، فهي الكيان الذي سيحمل أصول المشروع ويدير علاقته بالمصنع المستهلك وبالشبكة القومية وبالمقرضين.

تحليل الفلوس

أهمية دندرة الحقيقية ليست في رقم 650 مليون دولار ولا في ألف ميجاوات تضاف إلى سجل القدرات المعلنة، بل في تغييره وظيفة الطاقة الشمسية في الاقتصاد المصري من مصدر مكمل للشبكة إلى مدخل إنتاج مباشر لمصنع تصديري. حين ترتبط الشمس بمصنع ألمنيوم يصدر للخارج، يصبح كل كيلووات نظيف جزءا من سعر المنتج وقدرته على البقاء في أسواق تفرض اشتراطات كربونية أشد كل عام. وفي بلد تتضخم فيه فاتورة استيراد الطاقة وتضغط على الدولار، فإن توليد الكهرباء من شمس قنا بلا وقود مستورد هو توفير مزدوج: غاز لا يحرق محليا، وانبعاثات لا تحسب على الصادرات.

لكن الحذر واجب في قراءة الخبر. ما جرى توقيعه هو اتفاق شروط أولية للتمويل، وليس إغلاقا ماليا نهائيا. بين الشروط الأولية والإغلاق المالي تقع عادة أشهر من استكمال العقود والضمانات والموافقات والشروط المسبقة للصرف، وقد تتغير تفاصيل التكلفة أو الجدول في الطريق. لذلك فإن الحكم على المشروع لا يكون بحفل التوقيع، بل بموعد الإغلاق المالي الفعلي، ثم ببدء أعمال الإنشاء في المرحلة الأولى، ثم بأول كيلووات يصل فعليا إلى أفران نجع حمادي.

ما يجب مراقبته في الأشهر المقبلة محدد: إعلان الإغلاق المالي وحجم مساهمة كل بنك من البنوك الثلاثة على حدة، والجدول الزمني المعلن للمرحلة الأولى بقدرة 500 ميجاوات، وسعر شراء الكهرباء الذي سيدفعه مصنع مصر للألمنيوم مقارنة بتكلفته الحالية، وما إذا كانت تجربة دندرة ستفتح الباب لاتفاقات شراء طاقة نظيفة مباشرة لمصانع أخرى في الأسمدة والحديد والأسمنت. إذا تحركت هذه المؤشرات في مواعيدها، فسيكون دندرة قد قدم لمصر شيئا أثمن من محطة شمسية كبيرة: نموذجا قابلا للتكرار يمول نفسه بالدولار من الخارج، ويوفر الدولار في الداخل.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img