أغلقت أسعار النفط على تراجع واضح في تعاملات الثلاثاء 27 أكتوبر، بعدما أعطت مؤشرات التقدم الدبلوماسي في الشرق الأوسط المتعاملين سببًا لتقليص علاوة المخاطر التي رفعت الأسعار خلال الأيام الماضية. وسجل خام برنت عند التسوية 113.88 دولارًا للبرميل منخفضًا بنسبة 1.7%، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 1.8% ليستقر عند 99.90 دولارًا للبرميل، أي دون مستوى 100 دولار النفسي الذي ظل السوق يراقبه طوال الأسبوع. وجاءت التسوية، كما نقلتها تقارير الأسواق في وول ستريت جورنال، بعد جلسة متقلبة تحركت فيها العقود صعودًا وهبوطًا مع كل خبر عن المفاوضات أو عن احتمالات التصعيد العسكري.
خلال الجلسة نفسها كانت الصورة أقل حدة من التسوية النهائية. ففي التداولات اللحظية تراجع غرب تكساس بنسبة 0.6% إلى 101.14 دولارًا، وانخفض برنت بنسبة 0.8% إلى 114.89 دولارًا، قبل أن تتسع الخسائر قرب الإغلاق. هذا التذبذب يعكس سوقًا لا يتعامل مع أساسيات العرض والطلب فقط، بل مع أخبار سياسية متضاربة تصله على مدار الساعة. فإمدادات عالمية ضيقة وحضور عسكري أمريكي متزايد في الخليج يدعمان الأسعار، بينما تدفع أخبار المفاوضات في الاتجاه المعاكس.
أسعار النفط بين الدبلوماسية ومخاوف الضربات
دينيس كيسلر، المحلل في بي أو كي فاينانشال، لخص مزاج الجلسة بقوله إن العقود كانت تصحح مسارها على وقع أنباء عن مفاوضات إضافية مع إيران وبشأن روسيا وأوكرانيا تبدو وكأنها تتبلور فعليًا. لم يتغير إنتاج برميل واحد فجأة، لكن توقعات المتعاملين بشأن الأسابيع المقبلة هي التي تغيرت. وحين يبتعد احتمال الضربة تنكمش علاوة المخاطر بسرعة، وحين يعود الحديث عن عمل عسكري تتسع بالسرعة نفسها.
في المقابل، لم تختف عوامل الدعم. الإمدادات العالمية ما زالت ضيقة، والوجود العسكري الأمريكي المتزايد في الخليج يبقي الأسواق في حالة تأهب، كما أن استمرار هجمات الحوثيين على المملكة العربية السعودية يمثل خطرًا صعوديًا لا يمكن تجاهله، لأنه يمس دولة هي من أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم وأي استهداف ناجح لمنشآتها أو لممرات شحنها ينعكس فورًا على الأسعار. لهذا لم يتحول تراجع الثلاثاء إلى موجة بيع واسعة، ولهذا أيضًا بقي برنت فوق 113 دولارًا رغم كل أخبار التهدئة
شركة ريتربوش وشركاه الاستشارية قرأت المشهد من الزاوية نفسها، مؤكدة أن التقلبات الأخيرة في السوق تقودها بالأساس عمليات توسع وانكماش علاوة المخاطر الجيوسياسية. وتضيف الشركة أن خطر تجدد الضربات الجوية الأمريكية على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة لا يزال قائمًا، وأن البيت الأبيض سيحاول على الأرجح مرة أخرى إحراز تقدم دبلوماسي مباشر قبل أن تتجه الأمور إلى التصعيد. وبحسب تقدير ريتربوش، ستبقى الأسعار مرتفعة خلال معظم العام المقبل، خصوصًا أن المخزونات التجارية والاستراتيجية حول العالم تحتاج إلى إعادة بناء بعد فترة طويلة من السحب.
أسعار النفط والتحرك الدبلوماسي نحو طهران
على الأرض، تجسدت الدبلوماسية في تحرك لافت هذا الأسبوع، إذ سافر مسؤولون من السعودية وتركيا وباكستان إلى طهران لمناقشة سبل إنهاء الأعمال العدائية، في محاولة لإبعاد المنطقة عن مواجهة أوسع تهدد إمدادات الطاقة العالمية. وبالتوازي دعا الرئيس الإيراني إلى وحدة الدول الإسلامية، وهي رسالة تحمل في طياتها رغبة في تخفيض التصعيد بقدر ما تحمل خطابًا سياسيًا موجهًا للخارج. الأسواق قرأت ذلك إشارة إلى أن قنوات التفاوض لم تُغلق، وهو ما ساعد على تهدئة الأسعار الثلاثاء.
لكن الصورة المقابلة لا تسمح للسوق بأن يطمئن. فقد نقلت سي إن إن أن القوات الأمريكية قد تهاجم إيران في غضون 96 ساعة من صدور أمر من الرئيس دونالد ترامب، كما حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطراب الإمدادات يمتد إلى العام المقبل. وبين ضربة محتملة خلال أيام واضطراب يمتد لعام، يصبح من الطبيعي أن تبقى الأسعار متقلبة.
ولمن يتابع حركة الأسعار لحظة بلحظة، أظهرت بيانات أويل برايس إيه بي آي في وقت متأخر من الثلاثاء، عند الساعة 22:41 بتوقيت جرينتش في 27 أكتوبر، تداول غرب تكساس عند 99.98 دولارًا وبرنت عند 114.20 دولارًا، أي قريبًا جدًا من مستويات التسوية الرسمية. وبالمقارنة، بلغ متوسط الاثنين اليومي 101.44 دولار لغرب تكساس و114.85 دولار لبرنت، بينما بلغ متوسط الجمعة 101.29 دولار لغرب تكساس و115.24 دولار لبرنت. الفروق تبدو صغيرة، لكنها على شحنات بملايين البراميل يوميًا تعني مئات الملايين من الدولارات بين المنتجين والمستوردين.
مخزون الاحتياطي الاستراتيجي عند أدنى مستوى منذ 1982
العامل الأثقل في خلفية السوق، والذي لا يتغير مع أخبار يوم واحد، هو وضع المخزونات. فمخزونات الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي تقف حاليًا عند أدنى مستوى لها منذ أكتوبر 1982، أي منذ أكثر من أربعة عقود. هذا الرقم وحده يفسر لماذا لا تنهار الأسعار حتى مع أخبار دبلوماسية إيجابية: أكبر مستهلك للنفط في العالم استنزف وسادة الأمان الخاصة به إلى حد تاريخي، وأي اضطراب جديد في الإمدادات سيجده بمخزون أقل بكثير مما اعتاد عليه في أزمات سابقة. وإعادة ملء هذا الاحتياطي، إلى جانب مخزونات دول أخرى، ستستغرق وقتًا طويلًا وستخلق طلبًا إضافيًا مستمرًا على الخام.
بالنسبة لمصر، لا يمر أي تحرك في برنت مرور الكرام. فالبلد مستورد صاف للمنتجات البترولية، وفاتورة الاستيراد تتأثر مباشرة بسعر برنت وبسعر صرف الجنيه أمام الدولار. وقد تناولت الفلوس صباح اليوم حركة برنت وتداعياتها في تغطية منفصلة يمكن الرجوع إليها عبر متابعة أسعار برنت صباح اليوم على الفلوس، كما عرض الخبير الاقتصادي هاني جنينة سيناريو متشائمًا لفاتورة الطاقة قد يصل بها إلى نحو 35 مليار دولار في حال استمرت الأسعار المرتفعة واضطرابات الإمدادات، وهو ما فصلناه في قراءة هاني جنينة لفاتورة الطاقة على الفلوس. تراجع الثلاثاء يمنح صانع القرار نفسًا قصيرًا، لكنه لا يغير حسابات الموازنة ولا لجنة التسعير التي تنظر إلى متوسطات فترة كاملة لا إلى جلسة واحدة.
تحليل الفلوس
الفرق بين برنت عند 116 دولارًا وبرنت عند 114 دولارًا يبدو على الشاشة مجرد دولارين، لكنه في حسابات مصر يعني فرقًا ملموسًا إذا استمر. كل دولار ينخفض من متوسط سعر برنت على مدار عام يخفف عبء فاتورة استيراد الوقود والمنتجات البترولية بمئات الملايين من الدولارات، ويمنح وزارة المالية هامشًا أوسع، ويخفف الضغط على لجنة التسعير التلقائي حين تجتمع لمراجعة أسعار البنزين والسولار. المشكلة أن انخفاض الثلاثاء لم يأت من زيادة إنتاج ولا من عودة إمدادات مقطوعة، بل من انكماش مؤقت في علاوة المخاطر بعد أخبار دبلوماسية. هذا النوع من الانخفاض هش بطبيعته: خبر واحد عن ضربة أو عن استهداف ناقلة في مضيق هرمز يعيده في جلسة واحدة، وربما يضيف فوقه. لذلك لا ينبغي التعامل مع إغلاق الثلاثاء باعتباره بداية اتجاه هابط، بل باعتباره استراحة داخل اتجاه مرتفع أصلًا.
الصورة الهيكلية أعمق من حركة يوم. حين يكون الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي عند أدنى مستوى منذ 1982، وحين تحتاج المخزونات التجارية والاستراتيجية حول العالم إلى إعادة بناء كما تقول ريتربوش، فهذا يعني أن هناك طلبًا كامنًا ضخمًا سيظل حاضرًا في السوق لشهور طويلة، وأن أي فائض مؤقت سيجد من يشتريه لملء الصهاريج لا للاستهلاك الفوري فقط. يضاف إلى ذلك تحذير وكالة الطاقة الدولية من امتداد اضطراب الإمدادات إلى العام المقبل، وحديث السوق عن احتمال تجدد الضربات بعد الانتخابات النصفية الأمريكية. في مثل هذه البيئة سيبقى سقف الانخفاض محدودًا، وستظل الأسعار أقرب إلى 110 دولارات وما فوقها.
ما يجب مراقبته في الأيام المقبلة محدد وواضح. أولًا نتائج زيارة الوفود السعودية والتركية والباكستانية إلى طهران وهل ستتحول إلى تفاهمات معلنة أم ستبقى مجرد رسائل. ثانيًا التوقيت السياسي الأمريكي، وتحديدًا ما إذا كان البيت الأبيض سيدفع نحو تقدم دبلوماسي مباشر قبل الانتخابات النصفية أم سيترك خيار الضربة مفتوحًا بعدها كما تحذر التقارير. ثالثًا حركة الشحن في مضيق هرمز وأي تطور ميداني يمس السعودية أو ناقلات النفط، لأن هذا هو الملف القادر وحده على قلب جلسة هادئة إلى قفزة حادة. بالنسبة للقارئ المصري، الخلاصة العملية أن تراجع الثلاثاء خبر جيد في حدوده الضيقة، لكن أسعار المحروقات محليًا لن تتغير بسبب جلسة واحدة، والرهان الحقيقي يبقى على متوسط برنت خلال الربع كاملًا وعلى سعر الصرف، وهما عاملان لا يزالان حتى الآن في غير صالح المستورد.







