تراجع سعر الدولار في مصر ظهر اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026 إلى ما دون مستوى 56 جنيهًا في عدد من البنوك العاملة في السوق، بعد أيام من الصعود إلى مستويات قياسية. وجاء التراجع بينما أظهرت بيانات السوق الثانوية للدين الحكومي في البورصة المصرية موجة بيع واسعة من الأجانب والعرب، وبالتزامن مع اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي اليوم لحسم أسعار الفائدة.
سعر الدولار يهبط دون 56 جنيهًا في 18 بنكًا ظهر الخميس
بحسب أسعار الصرف المعلنة من البنوك بين الساعة 11:04 و11:06 صباحًا بتوقيت القاهرة اليوم الخميس، سجل أدنى سعر للدولار عند 55.95 جنيه للشراء و56.05 جنيه للبيع، وذلك في البنك التجاري الدولي CIB والبنك العقاري المصري العربي وبنك الشركة المصرفية العربية الدولية SAIB. وكسرت هذه الأسعار حاجز 56 جنيهًا نزولًا لأول مرة منذ موجة الصعود الأخيرة، بعد أن كان الدولار قد افتتح تعاملات الصباح عند 56.07 جنيه للشراء و56.17 جنيه للبيع في البنك الأهلي المصري وبنك مصر والبنك التجاري الدولي، وهي المستويات التي تناولها تقرير سعر الدولار صباح اليوم على موقع الفلوس بالتفصيل.
وجاء البنك الأهلي المصري وبنك HSBC والبنك المصري الخليجي عند مستوى 55.99 جنيه للشراء و56.09 جنيه للبيع، بينما سجلت بنوك البركة وقناة السويس والمصرف المتحد وفيصل الإسلامي 56.00 جنيه للشراء و56.10 جنيه للبيع، أي على حدود الحاجز النفسي نفسه. في المقابل، ظل أعلى سعر معروض في السوق عند مصرف أبوظبي الإسلامي وبنك نكست، بواقع 56.09 جنيه للشراء و56.19 جنيه للبيع. ووفق رصد بوابة فينتك جيت لحركة الأسعار ظهر اليوم، تراجع الدولار في 18 بنكًا، وارتفع في بنك واحد فقط، واستقر في 5 بنوك، ما يعني أن حركة الهبوط لم تكن حالة فردية في بنك أو اثنين، بل اتجاهًا عامًا شمل أغلب السوق في منتصف الجلسة.
أما السعر الرسمي المعلن من البنك المركزي فبلغ 56.06 جنيه للشراء و56.20 جنيه للبيع. والمهم في حركة اليوم ليس حجم التراجع، فهو قروش معدودة مقارنة بذروة الصعود، بل توقيته واتساعه: هبوط متزامن في 18 بنكًا في منتصف يوم يشهد اجتماعًا للبنك المركزي وطرحًا كبيرًا لأذون الخزانة، وفي أسبوع تتصاعد فيه تخارجات الأجانب.
الأموال الساخنة تبيع 391 مليون دولار في جلسة الأربعاء
على الجانب الآخر من الصورة، أظهرت بيانات البورصة المصرية الخاصة بالسوق الثانوية للدين الحكومي، والتي نقلتها العربية نت وموقع المصدر، أن المستثمرين العرب والأجانب سجلوا صافي بيع بقيمة 391 مليون دولار في تعاملات أمس الأربعاء 28 أكتوبر وحده. وبذلك يرتفع إجمالي صافي التخارجات منذ بداية الأسبوع الجاري إلى نحو 1.67 مليار دولار، بينما تقترب الحصيلة التراكمية منذ يوم الاثنين من الأسبوع الماضي من 3.5 مليار دولار، وفق ما نقلته التقارير عن بيانات السوق الثانوية.
وتتسق هذه الأرقام مع ما كانت مصادر مصرفية قد أشارت إليه في تقارير نشرتها صحيفة المال يوم 27 أكتوبر، عن خروج نحو 4 مليارات دولار من استثمارات المحافظ خلال عشرة أيام. كما قدّر الخبير المصرفي محمد عبد العال، في تصريحات تلفزيونية، حجم حيازات الأجانب في أدوات الدين المحلية بما يتراوح بين 40 و47 مليار دولار خلال شهري سبتمبر وأكتوبر، مقارنة بنحو 52 مليار دولار في يناير الماضي. وهذه التقديرات ليست أرقامًا رسمية صادرة عن البنك المركزي، لكنها تعطي صورة عن اتجاه التراجع في المراكز الأجنبية، وعن حجم السيولة التي يمكن أن تتحرك سريعًا عند تغير شهية المخاطرة عالميًا أو محليًا.
والأموال الساخنة هي استثمارات محافظ قصيرة الأجل تدخل بحثًا عن عائد مرتفع على أذون وسندات الخزانة وتخرج بسرعة عند أول إشارة قلق. دخولها يدعم الجنيه، وخروجها المفاجئ يضغط على سعر الصرف وعلى احتياجات التمويل معًا، ولهذا تتابع السوق بيانات السوق الثانوية يومًا بيوم بوصفها أسرع مؤشر متاح على اتجاه هذه التدفقات.
لماذا يبيع الأجانب الآن رغم ارتفاع سعر الدولار والعائد؟
المستثمر الأجنبي لا ينظر إلى الفائدة الاسمية وحدها، بل إلى العائد الحقيقي بعد التضخم وإلى اتجاه سعر الصرف خلال فترة احتفاظه بالأذون. وعندما يصعد الدولار بوتيرة سريعة كما حدث في الأيام الماضية، يتآكل جزء من العائد عند تحويل الأموال إلى الخارج، فيفضل بعض المستثمرين الخروج المبكر وتأمين مراكزهم، خاصة قبل اجتماع البنك المركزي اليوم وما قد يحمله بيانه من مفاجآت.
اجتماع البنك المركزي اليوم: التثبيت للمرة السادسة على الطاولة
تجتمع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري اليوم الخميس 29 أكتوبر لحسم أسعار الفائدة، في آخر المحطات التي تراقبها السوق هذا الأسبوع إلى جانب سعر الدولار وطرح أذون الخزانة. وتبلغ الأسعار الحالية 19% للإيداع و20% للإقراض و19.5% للعملية الرئيسية للبنك المركزي. ويجمع استطلاع أجرته وكالة رويترز لآراء المحللين على توقع تثبيت الأسعار للمرة السادسة على التوالي، في ضوء مسار التضخم الحالي وحاجة المركزي إلى الحفاظ على جاذبية أدوات الدين أمام المستثمرين الأجانب، خاصة مع تصاعد التخارجات المسجلة هذا الأسبوع. ويمكن متابعة تفاصيل القرار وتوقعاته في تغطية الفلوس لاجتماع البنك المركزي اليوم.
وتمنح بيانات التضخم اللجنة مساحة للمناورة: تراجع التضخم السنوي في المدن إلى 13.9% في سبتمبر مقابل 14.5% في أغسطس، وانخفض الأساسي إلى 14.1% مقابل 14.9%، ما يبقي العائد الحقيقي على الجنيه موجبًا بفارق مريح ويرجح التثبيت. وأي خفض مفاجئ اليوم كان سيُقرأ، في ظل خروج الأموال الساخنة، كإشارة تزيد الضغط على الجنيه، وهو ما يعزز كفة الانتظار حتى اجتماع ديسمبر.
وفي اليوم نفسه، يطرح البنك المركزي نيابة عن وزارة المالية أذون خزانة بقيمة 110 مليارات جنيه: 80 مليارًا لأجل 364 يومًا و30 مليارًا لأجل 182 يومًا. وستكون نتيجة الطرح اختبارًا عمليًا لشهية السوق، من نسبة التغطية إلى العائد المطلوب ومشاركة الأجانب. أما صمام الأمان الأكبر فهو الاحتياطي، إذ بلغ صافي الاحتياطيات الدولية 57.348 مليار دولار بنهاية سبتمبر، ارتفاعًا من 57.214 مليار دولار بنهاية أغسطس.
تحليل الفلوس
هبوط سعر الدولار دون 56 جنيهًا ظهر اليوم لا يعني أن موجة الضغط على الجنيه انتهت، لكنه يعني أن السوق لم تدخل في حالة بيع panicky بلا سقف. ففي أسبوع باع فيه الأجانب والعرب ما يقترب من 1.67 مليار دولار من أدوات الدين، كان السيناريو الأسوأ أن يواصل الدولار قفزاته اليومية بلا توقف. ما حدث ظهر الخميس هو العكس جزئيًا: تراجع واسع في 18 بنكًا، ولو بقروش محدودة. هذه الحركة قد تعكس مزيجًا من جني أرباح على مراكز دولارية قصيرة، وتدخلات سيولة هادئة، وترقب لقرار الفائدة مساء اليوم. والدرس الذي تعلمته السوق المصرية من موجات سابقة هو أن اتجاه يوم واحد، صعودًا أو هبوطًا، لا يصنع مسارًا؛ المسار تصنعه التدفقات الفعلية خلال أسبوعين أو ثلاثة.
المعادلة التي يواجهها البنك المركزي الليلة دقيقة: تثبيت الفائدة عند 19% للإيداع يرسل رسالة انضباط ويحافظ على العائد الحقيقي الجاذب للأموال الساخنة، لكنه يبقي تكلفة خدمة الدين الحكومي عند مستويات مرتفعة في وقت تطرح فيه المالية 110 مليارات جنيه أذونًا في يوم واحد. وأي تلميح في بيان اللجنة إلى استعداد لخفض قريب قد يعيد تسعير الأذون ويزيد حساسية الأجانب، بينما التشدد الزائد في اللهجة قد يضغط على النمو والائتمان الخاص. لذلك فإن أهم ما في اجتماع اليوم قد لا يكون الرقم نفسه، المتوقع تثبيته على نطاق واسع، بل لغة البيان: كيف يصف المركزي التضخم عند 13.9%، وكيف يقيّم ضغوط سوق الصرف الأخيرة، وهل يربط خطوته المقبلة ببيانات محددة يمكن للسوق اختبارها.
ما يجب مراقبته في الأيام المقبلة مرتب بوضوح: أولًا نتيجة طرح أذون الخزانة اليوم، خاصة نسبة التغطية والعائد على أجل 364 يومًا، فهي أصدق تصويت فوري من السوق على الثقة. وثانيًا بيانات السوق الثانوية للأسبوع المقبل: هل يتوقف صافي بيع الأجانب عند حدود 3.5 مليار دولار تراكميًا أم يتجاوزها؟ وثالثًا بيانات الاحتياطي عن أكتوبر عند صدورها، لقياس كلفة امتصاص الموجة الحالية من رصيد بلغ 57.348 مليار دولار بنهاية سبتمبر. ورابعًا اجتماع ديسمبر المقبل، الذي سيصبح محطة التسعير الحقيقية إذا استمر التضخم في التراجع. وحتى تتضح هذه المؤشرات، يظل مستوى 56 جنيهًا خطًا نفسيًا وفنيًا مهمًا: كسره صعودًا من جديد بزخم تخارجات سيعني موجة ضغط أعمق، بينما البقاء دونه مع هدوء التدفقات سيعني أن السوق وجدت توازنًا مؤقتًا عند هذه المستويات.






