تراجع عجز الموازنة العامة للدولة بمقدار 40.7 مليار جنيه خلال أول شهرين من العام المالي 2026-2027، ليستقر عند 324.3 مليار جنيه تعادل 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 365 مليار جنيه تعادل 1.7% من الناتج في الفترة نفسها من العام المالي الماضي. الأرقام وردت في التقرير المالي الشهري الصادر عن وزارة المالية عن يوليو وأغسطس 2026، ونشرته الصحافة الاقتصادية المصرية يومي الخميس والجمعة 29 و30 أكتوبر 2026. التحسن الظاهر يخفي معادلة أصعب: فبينما قفز الفائض الأولي بنسبة كبيرة، واصلت فوائد الدين التهام النصيب الأكبر من كل جنيه يدخل الخزانة العامة، إذ استحوذت وحدها على نحو 96% من إجمالي الإيرادات المحققة في الشهرين.
أرقام يوليو وأغسطس: عجز الموازنة ينكمش والفائض الأولي يقفز
الفائض الأولي، وهو الفرق بين الإيرادات والمصروفات قبل حساب فوائد الدين، سجل 187.9 مليار جنيه تعادل 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي في يوليو وأغسطس 2026، مقابل 113.7 مليار جنيه تعادل 0.5% من الناتج في الفترة المقابلة من العام السابق، أي نمو يقترب من 65.2% وفق ما نقلته التقارير الصحفية عن بيانات وزارة المالية. الفارق بين الفائض الأولي والعجز الكلي يشرح وحده حجم المشكلة: الخزانة تحقق فائضًا قبل الفوائد، ثم تتحول النتيجة إلى عجز يتجاوز 324 مليار جنيه بمجرد إضافة بند واحد هو خدمة الدين.
إجمالي الإيرادات العامة ارتفع إلى 533.2 مليار جنيه خلال الشهرين، بنمو 34.1% على أساس سنوي، يعكس تحسن الحصيلة الضريبية. في المقابل، بلغ إجمالي المصروفات 849.1 مليار جنيه بزيادة 12.5% فقط، أي أن الإيرادات نمت بوتيرة تقترب من ثلاثة أمثال وتيرة نمو الإنفاق، وهذا هو السبب المباشر في تقلص العجز رغم ضخامة الرقم المطلق.
الإيرادات الضريبية تقود النمو وتخفف عجز الموازنة
الإيرادات الضريبية وحدها بلغت 436.8 مليار جنيه، بزيادة 23.8% عن يوليو وأغسطس من العام الماضي، لتشكل 81.9% من إجمالي إيرادات الدولة، وتعادل 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي. أي أن أكثر من أربعة أخماس ما دخل الخزانة في شهرين جاء من الضرائب بأنواعها، وهو اعتماد ثقيل يفسر حساسية المالية العامة لأي تباطؤ في النشاط الاقتصادي أو في حصيلة القطاعات الكبرى.
أكبر بند منفرد داخل الحصيلة كان الضريبة على عوائد أذون وسندات الخزانة، التي سجلت 92.3 مليار جنيه بنمو 24.3%. هذه الضريبة تُخصم من المنبع على العوائد التي تدفعها الدولة نفسها لحائزي أدوات الدين، وكلما ارتفعت أسعار الفائدة زادت الحصيلة منها تلقائيًا. وجاءت الضرائب العقارية في المرتبة التالية بقيمة 97.7 مليار جنيه بنمو 23%، ثم ضرائب الشركات التي قفزت إلى 78.1 مليار جنيه بنمو لافت بلغ 52.8%، ما يعكس تحسن نتائج أعمال عدد من القطاعات وتحسن كفاءة التحصيل والفحص.
ضرائب الدخل على المرتبات ارتفعت بدورها إلى 34.6 مليار جنيه بنمو 43.6%، مدفوعة بزيادات الأجور وبضم شرائح جديدة إلى التحصيل الإلكتروني. وسجلت ضرائب قناة السويس 23.7 مليار جنيه بنمو 23.8%، وضرائب النشاط التجاري والصناعي 13.6 مليار جنيه بنمو 43.2%، وضرائب المهن غير التجارية نحو 3 مليارات جنيه بنمو 55%، بينما جاءت ضرائب السيارات عند 3.4 مليار جنيه بنمو 7.5%. النمو إذن توزع على قواعد متعددة، لكن النصيب الأكبر ظل مرتبطًا بالدين العام نفسه وبأجور العاملين.
فوائد الدين: البند الذي يبتلع إيرادات الدولة
فوائد الدين العام بلغت 512.2 مليار جنيه في شهرين فقط، بزيادة 6.5% عن الفترة المقابلة من العام الماضي. الرقم يمثل أكثر من 60% من إجمالي مصروفات الدولة البالغة 849.1 مليار جنيه، ويساوي تقريبًا 96% من كل الإيرادات التي جمعتها الخزانة في الفترة نفسها. بعبارة عملية، كل جنيه تقريبًا دخل الموازنة خرج مرة أخرى فوائد للمقرضين، قبل أن تنفق الدولة جنيهًا واحدًا على أجر أو دعم أو خدمة.
الزيادة النسبية المحدودة في الفوائد، 6.5%، تعكس أثر تراجع أسعار الفائدة تدريجيًا خلال العام المالي الماضي وإطالة آجال بعض الإصدارات. لكن القاعدة ضخمة أصلًا: نصف تريليون جنيه في شهرين يعني أن أي ارتفاع جديد في تكلفة الاقتراض يترجم سريعًا إلى مليارات إضافية عند تجديد الإصدارات قصيرة الأجل.
أين ذهب باقي الإنفاق؟ الأجور والدعم في المقدمة
بعيدًا عن الفوائد، سجل بند الأجور وتعويضات العاملين 116.8 مليار جنيه بنمو 9.8%، وهو نمو يقل عن معدل التضخم السائد. وارتفع شراء السلع والخدمات إلى 26.8 مليار جنيه بنمو 35.6%، وهي قفزة ترتبط بتكلفة تشغيل المرافق والخدمات الحكومية.
الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية بلغ 118.7 مليار جنيه بنمو 14.8%، وداخله ساهم الخزانة في صناديق المعاشات بمبلغ 42.5 مليار جنيه بنمو 12.2%. دعم السلع التموينية سجل 25.6 مليار جنيه، بزيادة 12.8 مليار جنيه عن الفترة المقابلة، بينما وصل دعم الكهرباء إلى 25.5 مليار جنيه بزيادة 11.5 مليار جنيه. هاتان الزيادتان وحدهما تضيفان أكثر من 24 مليار جنيه إلى الإنفاق في شهرين، وتوضحان أن كلفة شبكة الحماية الاجتماعية وأسعار الطاقة ما زالتا تضغطان على الموازنة حتى في شهور تحسن الإيرادات.
الصورة الأوسع: من إغلاق 2025-2026 إلى مستهدفات يونيو 2027
العام المالي 2025-2026 أُغلق بعجز كلي قدره 5.8% من الناتج المحلي، نزولًا من 7.2% في العام الذي سبقه، وبفائض أولي بلغ 4.9% من الناتج، وهو الأعلى منذ سنوات. على هذا الأساس تستهدف الحكومة، وفق تصريحات وزير المالية أحمد كوجك، خفض عجز الموازنة إلى 4.9% من الناتج بنهاية العام المالي الحالي، وخفض دين أجهزة الموازنة إلى 78.1% من الناتج بحلول يونيو 2027. وحددت الموازنة الحالية سقفًا للإنفاق الاستثماري عند 1.56 تريليون جنيه، في محاولة لإفساح المجال أمام القطاع الخاص وكبح إضافة أعباء جديدة.
النمو الاقتصادي سجل 5.1% في العام المالي 2025-2026، وتستهدف الحكومة 5.4% في العام الحالي. العلاقة مباشرة: كل نقطة نمو إضافية توسع القاعدة الضريبية وتخفض نسبة العجز إلى الناتج. لكن شهري يوليو وأغسطس وحدهما لا يكفيان للحكم على مسار العام كاملًا؛ فالإيرادات الموسمية ومواعيد استحقاق الفوائد تجعل القراءة المبكرة ناقصة بالضرورة.
تحليل الفلوس
المفارقة التي تحملها أرقام يوليو وأغسطس صارخة: الدولة تدير موازنتها بفائض أولي متصاعد، تحصّل ضرائب أكثر من أي وقت مضى، وتضبط نمو إنفاقها عند 12.5% بينما إيراداتها تقفز 34.1%، ومع ذلك ينتهي الشهرين بعجز يتجاوز 324 مليار جنيه لأن فوائد الدين وحدها التهمت 96% من الإيرادات. المشكلة المصرية إذن ليست في كفاءة التحصيل أو ضبط المصروفات الجارية بقدر ما هي في رصيد دين تراكم عبر سنوات من الفوائد المرتفعة، وباتت خدمته تسبق أي أولوية أخرى في ترتيب الصرف. تحسن الفائض الأولي شرط ضروري للخروج من هذه الدائرة، لكنه ليس كافيًا ما دامت تكلفة الدين نفسه أعلى من معدل نمو الاقتصاد.
وهنا يدخل قرار البنك المركزي المفاجئ يوم 29 أكتوبر برفع أسعار الفائدة 100 نقطة أساس، رغم تراجع التضخم، إلى قلب الحسابات. رفع الفائدة يرفع عائد الإصدارات الجديدة من أذون وسندات الخزانة، ومع كل تجديد لاستحقاق قصير الأجل ترتفع الفاتورة التي رأينا حجمها في هذا التقرير. وقد تناولنا في الفلوس بالتفصيل لماذا رفع البنك المركزي الفائدة رغم تراجع التضخم وما يعنيه ذلك للمقترضين والموازنة. إذا استمرت الفائدة عند مستوياتها الجديدة فترة أطول مما تتوقعه وزارة المالية، فإن بند الفوائد مرشح لاستعادة وتيرة نمو أسرع في النصف الثاني من العام، وسيأكل جزءًا من مكاسب خفض العجز المحققة حتى الآن. في المقابل، أي مسار نزولي للفائدة لاحقًا سيظهر أثره في الموازنة بتأخير، لأن الإصدارات القائمة تظل تحمل أسعارها القديمة حتى الاستحقاق.
السؤال الأخير يتعلق بجودة قفزة الإيرادات الضريبية نفسها. جزء معتبر من النمو جاء من بنود مرتبطة بالفائدة المرتفعة وبقرارات إدارية: ضريبة عوائد أذون وسندات الخزانة تنمو لأن الفوائد المدفوعة أصلًا مرتفعة، وضرائب المرتبات تنمو مع كل زيادة اسمية في الأجور حتى لو كان الدخل الحقيقي ثابتًا، وقفزة ضرائب الشركات بنسبة 52.8% قد تتضمن تسويات وفحوصًا لا تتكرر بالوتيرة ذاتها. هذه الحصيلة حقيقية ومفيدة اليوم، لكن استدامتها مشروطة بتحول النمو الضريبي تدريجيًا نحو مصادر إنتاجية: نشاط تجاري وصناعي أوسع، واستثمار خاص يخلق أرباحًا وأجورًا جديدة، بدل الاعتماد المتزايد على اقتطاع جزء من فاتورة الدين نفسها. الفارق بين النوعين هو ما سيحدد ما إذا كان عجز الموازنة في طريقه إلى 4.9% فعلًا، أم أن أرقام الشهرين الأولين كانت بداية موسمية جميلة لعام أصعب.







