قال الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب عن حزب العدل، إن قرار البنك المركزي المصري رفع سعر الفائدة بنسبة 1% يمثل تدخلًا محمودًا وضروريًا لضبط توقعات التضخم، رغم ما يترتب عليه من زيادة في تكلفة التمويل على الشركات والحكومة، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه يستبعد عودة سعر الدولار إلى مستويات الأربعينيات في المستقبل القريب. وجاءت تصريحات محمد فؤاد عن رفع الفائدة والدولار خلال حواره مع الإعلامي عمرو أديب في برنامج «الحكاية» المذاع عبر قناة MBC مصر، مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، حيث وضع النقاط فوق الحروف بشأن حدود ما تستطيع السياسة النقدية أن تفعله، وما لا تستطيعه مهما بلغت قوة قراراتها.
محمد فؤاد يرحب برفع الفائدة رغم تكلفة التمويل
أوضح فؤاد أنه كان من الداعين أصلًا إلى هذه الخطوة، وأنه تقدم بها من خلال مذكرة أعدها مركز العدل لدراسات السياسات العامة، قبل أن يتخذ البنك المركزي قراره في اجتماع 29 أكتوبر 2026 برفع أسعار العائد الأساسية إلى 20% للإيداع و21% للإقراض و20.5% للعملية الرئيسية. ويرى أن تحركات سعر الصرف والضغوط الخارجية التي يتعرض لها الاقتصاد المصري كانت تستدعي تدخلًا واضحًا من المركزي، حتى لا تنفلت توقعات الأسعار من عقالها وتتحول إلى موجة جديدة من الزيادات يصعب احتواؤها لاحقًا.
ولم يُخفِ الخبير الاقتصادي أن للقرار ثمنًا مباشرًا؛ فالشركات والمصنعون سيتحملون زيادة في تكلفة الاقتراض، والحكومة نفسها ستواجه ارتفاعًا في تكلفة تمويل عجز الموازنة وخدمة الدين، في وقت تتحرك فيه أسعار الدولار في البنوك حول 55.99 جنيهًا للشراء و56.09 جنيهًا للبيع يومي 30 و31 أكتوبر. لكنه في المقابل اعتبر أن المواطن قد يكون المستفيد نسبيًا إذا نجح القرار فعلًا في كبح التضخم، الذي سجل 13.9% على أساس سنوي في المناطق الحضرية خلال سبتمبر، وحماية القوة الشرائية لدخول الأسر من مزيد من التآكل.
الفكرة الجوهرية عند فؤاد هي أن كلفة التحرك الآن، مهما بدت موجعة، تظل أقل من كلفة ترك التوقعات تنفلت؛ فحين يفقد السوق ثقته في مسار الأسعار، يبدأ كل طرف في التسعير الدفاعي المبالغ فيه، وتصبح الزيادات ذاتية التحقق. لذلك كان الترحيب بالقرار مشروطًا بفهمه كخطوة لاحتواء التوقعات، لا كحل سحري لكل مشكلات الاقتصاد.
لماذا يهتم المواطن والتاجر بسعر الدولار؟
توقف فؤاد مطولًا عند سؤال بدا بسيطًا في حوار «الحكاية»: لماذا ينشغل الجميع بسعر الدولار؟ إجابته فرّقت بين طرفين؛ فالمواطن العادي يهتم بالدولار لأنه يلمس أثره مباشرة في قدرته الشرائية وفي أسعار السلع التي يشتريها كل يوم، من الغذاء إلى الوقود إلى الأدوية المستوردة. أما التاجر والمنتج فيحتاج قبل أي شيء إلى تقدير واضح ومستقر نسبيًا لسعر الصرف، حتى يستطيع تسعير منتجاته وحساب تكلفة الاستبدال لما يبيعه من مخزون.
وحين تغيب الثقة في مسار التضخم وسعر الصرف معًا، كما شرح، يدفع عدم اليقين السوق كله إلى المبالغة في التسعير تحسبًا لزيادات قادمة؛ فيرفع التاجر سعره اليوم ليس لأن تكلفته ارتفعت اليوم، بل لأنه يخشى أن ترتفع غدًا. وهذه الحلقة، بحسب فؤاد، هي ما يجعل ضبط التوقعات هدفًا لا يقل أهمية عن ضبط الأرقام نفسها، لأن الأسعار في النهاية تُبنى على ما يتوقعه الناس بقدر ما تُبنى على التكاليف الفعلية.
التشديد النقدي بين كبح الطلب وخطر تعميق التباطؤ
شرح محمد فؤاد في حديثه عن رفع الفائدة أن التشديد النقدي يعمل بمنطق معروف: رفع العائد يشجع الأسر على تأجيل بعض قرارات الشراء الكبيرة، ويدفع المدخرات نحو الإيداع في البنوك للاستفادة من العائد المرتفع، فيهدأ الطلب الكلي وتخف الضغوط على الأسعار. لكنه حذر في الوقت نفسه من أن هذه الآلية نفسها قد تعمّق التباطؤ القائم أصلًا في السوق، متوقعًا احتمال تسجيل نمو ضعيف نسبيًا خلال ربع أو ربعين إذا استمرت الأوضاع الحالية على ما هي عليه.
هل تنتقل تكلفة القروض كاملة إلى أسعار السلع؟
وردًا على سؤال عمرو أديب بشأن احتمال انتقال زيادة تكلفة القروض إلى أسعار السلع النهائية، أجاب فؤاد بأن ضعف الطلب الحالي يحدّ من قدرة المنتجين والتجار على تحميل المستهلك كامل الزيادة؛ فحين يكون الزبون مترددًا والطلب هزيلًا، لا يستطيع البائع أن يرفع سعره بحرية، وقد يضطر كثيرون إلى تحمل جزء من الزيادة عبر تقليص هامش ربحهم حفاظًا على حصتهم في السوق. لكنه أقرّ في المقابل بإمكانية لجوء بعض الشركات إلى خفض العمالة مع تباطؤ النشاط، مؤكدًا أن السيطرة على التضخم باستخدام الأدوات النقدية وحدها قد تكون لها تكلفة حقيقية على الإنتاج والتشغيل، وهي تكلفة يجب الاعتراف بها بصراحة لا إنكارها.
محمد فؤاد وسعر الدولار: لا عودة إلى الأربعينيات قريبًا
في الجزء الأكثر انتظارًا من الحوار، سُئل فؤاد مباشرة عما إذا كان الدولار قد يتراجع إلى مستوى 49 جنيهًا أو يعود إلى الأربعينيات. إجابته كانت حاسمة وواضحة: استبعد عودة الدولار إلى مستويات الأربعينيات في المستقبل القريب، ومرجحًا استمرار التذبذب في سعر الصرف خلال الفترة المقبلة في ظل الضغوط الخارجية القائمة. وأشار إلى أن هدوء التوترات في المنطقة قد يخفف بعض ضغوط الطاقة والمخاطر الجيوسياسية التي تثقل كاهل ميزان المدفوعات، لكنه شدد على أن هذا وحده لا يكفي لصناعة تراجع مستدام في سعر العملة الأمريكية.
الرسالة الضمنية هنا مهمة للأسواق والأسر معًا: من يبني قراراته اليوم على أمل عودة سريعة إلى أسعار صرف قديمة قد يخطئ الحساب؛ فالمسار الأقرب، وفق تقدير فؤاد، هو تذبذب حول المستويات الحالية صعودًا وهبوطًا مع كل تطور خارجي، إلى أن تتغير الأساسيات التي تصنع الطلب على الدولار والعرض منه.
الأدوات النقدية وحدها لا تكفي لإصلاح الاقتصاد
اختتم فؤاد حواره بالتأكيد على الفكرة التي كررها أكثر من مرة: البنك المركزي لا يستطيع، مهما أحسن استخدام أدواته، أن يزيد إنتاج الغاز، أو يبني المصانع، أو ينمّي الصادرات، أو يصلح اختلالات المالية العامة. هذه مهام برنامج اقتصادي متكامل تتقاسمه الحكومة بمختلف أجهزتها، هدفه الأول توليد موارد دولارية مستدامة من مصادر حقيقية كالصادرات والسياحة والاستثمار الأجنبي المباشر وتحويلات العاملين بالخارج، بدل الاعتماد على التدفقات الساخنة التي تدخل سريعًا وتخرج أسرع.
وبحسب هذا التصور، فإن قرار رفع الفائدة يمنح الاقتصاد وقتًا ومساحة لالتقاط الأنفاس وضبط التوقعات، لكنه لا يشتري الإصلاح نفسه؛ فإذا لم يُستثمر هذا الوقت في برنامج إنتاج وتصدير حقيقي، ستعود الضغوط نفسها مع أول صدمة خارجية جديدة، وسيجد المركزي نفسه مطالبًا بدورة تشديد أخرى بتكلفة أعلى.
تحليل الفلوس
ما قاله محمد فؤاد في «الحكاية» يلخص بصدق معضلة اللحظة الاقتصادية المصرية: قرار رفع الفائدة بنسبة 1% كان في تقدير كثير من الخبراء خطوة دفاعية مفهومة أمام تضخم حضري عند 13.9% ودولار قرب 56 جنيهًا، لكن الدفاع وحده لا يبني هجومًا. فحين يعترف صاحب الدعوة الأصلية للقرار بأن ثمنه قد يكون نموًا ضعيفًا لربع أو ربعين واحتمالات خفض عمالة في بعض الشركات، يصبح النقاش العام أكثر نضجًا من شعارات «القرار صحيح تمامًا» أو «القرار كارثة كاملة»؛ هو قرار له عائد وله فاتورة، والحكم عليه يتوقف على ما سيحدث بعده لا عليه وحده.
النقطة الأهم التي يجب أن تلتقطها الحكومة قبل السوق هي ربط فؤاد الصريح بين استقرار الدولار وتوليد موارد دولارية مستدامة. فاستبعاده عودة الدولار إلى الأربعينيات ليس تشاؤمًا مجانيًا، بل قراءة لأساسيات العرض والطلب: لا تراجع مستدامًا لسعر الصرف بلا صادرات تنمو وغاز يُنتج واستثمار يبقى. وإذا تحولت فترة التشديد الحالية إلى مهلة تُستغل في ملفات الإنتاج والتصدير وإصلاح المالية العامة، فقد يثبت أن فاتورة الفائدة المرتفعة كانت استثمارًا في الاستقرار؛ أما إذا مرت المهلة بلا برنامج، فسنكون قد دفعنا الثمن مرتين: مرة في النمو والتشغيل، ومرة في عودة الضغوط نفسها.
للمواطن والتاجر معًا، الخلاصة العملية من كلام فؤاد هي التخطيط على أساس التذبذب لا على أساس الأماني: تسعير حذر بلا مبالغة دفاعية، وتأجيل مدروس للمشتريات غير العاجلة، وعدم بناء الالتزامات طويلة الأجل على افتراض تراجع قريب وكبير في سعر الدولار. فحتى إشعار آخر، الوضوح الذي طالب به فؤاد للسوق هو نفسه ما يحتاجه كل بيت وكل مشروع: أرقام صادقة عن الاتجاه، حتى لو لم تكن مريحة.
المصدر الأصلي: تصريحات د. محمد فؤاد لبرنامج «الحكاية» مع عمرو أديب على قناة MBC مصر، كما نشرتها المصري اليوم / مصراوي.
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. محمد فؤاد وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.







