هاني جنينة: العقود الآجلة للدولار عند 64 جنيهًا ليست توقعًا.. معادلة حسابية اسمها تكلفة الحمل

Published:

قال الدكتور هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس، إن الأرقام المتداولة حول العقود الآجلة للدولار عند 64 أو 65 جنيهًا بعد عام لا تعني أبدًا أن السوق تتوقع وصول سعر الصرف إلى هذا المستوى، مؤكدًا أن هاني جنينة والعقود الآجلة للدولار قصة حسابية بحتة اسمها «تكلفة الحمل»، وليست نبوءة ولا تسعيرًا مؤكدًا للمستقبل. وجاءت تصريحات جنينة في مداخلة هاتفية مع الإعلامية لميس الحديدي في برنامج «الصورة» على قناة النهار، مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، ونقلها موقع مصراوي، حيث فكك الخبير المخضرم واحدة من أكثر الشائعات إثارة للقلق في سوق الصرف خلال الأيام الماضية، وربطها بقرار البنك المركزي المفاجئ برفع أسعار الفائدة بنسبة 1% كاملة.

هاني جنينة والعقود الآجلة للدولار: ما هي تكلفة الحمل؟

شرح جنينة المعادلة ببساطة شديدة: من يشتري الدولار اليوم ويحتفظ به لمدة عام يتحمل تكلفة تمويل واقتراض بالجنيه طوال هذه المدة، وهذه التكلفة تُضاف تلقائيًا إلى السعر الفوري عند حساب السعر الآجل. فإذا كان السعر الفوري يدور حول 55 جنيهًا، وكانت تكلفة التمويل السنوية تقترب من 20%، فالناتج الحسابي يقفز بنحو 10 إلى 11 جنيهًا دفعة واحدة، ليصل إلى حدود 65 أو 66 جنيهًا، دون أن يكون في الأمر أي توقع حقيقي لحركة السوق. وأكد أن أي متعامل في أسواق المال يعرف هذه الآلية جيدًا، وأن الخلط بين السعر الآجل والتوقع المستقبلي خطأ شائع يصنع حالة من الذعر غير المبرر بين المواطنين والمدخرين.

وأضاف أن العقود الآجلة بهذا المعنى أداة تسعير مالي تعكس فارق أسعار الفائدة بين عملتين، لا مزاج المستثمرين ولا قناعاتهم بشأن الجنيه بعد عام. فكلما ارتفعت الفائدة على الجنيه مقارنة بالدولار، اتسع الفارق بين السعر الفوري والسعر الآجل، حتى لو استقر سعر الصرف الفعلي أو تحسن. ومن هنا، فإن قراءة رقم 64 جنيهًا باعتباره «سعر الدولار القادم» قراءة مضللة تمامًا، لأنها تتجاهل أن صاحب العقد دفع بالفعل ثمن الاحتفاظ بالدولار طوال العام في صورة فائدة مرتفعة على الجنيه تخلى عنها.

رفع الفائدة 1% فاجأه.. لكنه في الاتجاه الصحيح

اعترف جنينة بصراحة أن قرار البنك المركزي يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، برفع أسعار الفائدة إلى 20% للإيداع و21% للإقراض و20.5% للعملية الرئيسية، كان مفاجئًا بالنسبة إليه شخصيًا. فهو لم يكن يتوقع هذه الخطوة في وقت يعاني فيه القطاع العقاري من ضعف واضح منذ نحو عام ونصف إلى عامين، وترتفع فيه تكلفة الاقتراض على الحكومة نفسها مع كل زيادة جديدة. ومع ذلك، شدد على أن المفاجأة لا تعني الخطأ، بل إن القرار جاء في الاتجاه السليم بالنظر إلى طبيعة الصدمة التي يواجهها الاقتصاد.

وأوضح أن السياسة النقدية في مصر كانت مشددة أصلًا قبل هذا القرار، إذ تجاوزت أسعار الفائدة الحقيقية معدل التضخم بنحو 5 نقاط مئوية، وكانت الأهلي فاروس من المشجعين لهذا التشديد، لأنه يحد من الطلب على الاستيراد بالتوازي مع ارتفاع سعر الدولار. لكن تداعيات الحرب على أسعار الطاقة فرضت جرعة إضافية، حتى لا تتحول صدمة مؤقتة إلى موجة تضخمية يصعب احتواؤها.

لماذا 1% كاملة وليس ربع أو نصف نقطة؟

توقف جنينة عند سؤال يتردد كثيرًا: لماذا لم يكتفِ المركزي برفع ربع أو نصف نقطة مئوية؟ إجابته أن مستوى الفائدة الأساسي في مصر يدور حول 20%، وعند هذا المستوى المرتفع تصبح التحركات الصغيرة محدودة التأثير إلى حد كبير، فلا يشعر بها السوق ولا تغير سلوك المقترضين والمودعين. واستشهد بدرس تعلمه من الدكتور فاروق العقدة، محافظ البنك المركزي الأسبق، مفاده أن حجم الحركة في أسعار الفائدة يجب أن يتناسب مع مستوى الفائدة نفسه، فكلما كان المستوى مرتفعًا احتاجت الرسالة إلى خطوة أوضح وأقوى حتى تصل إلى الأسواق بلا التباس.

ونفى جنينة في الوقت نفسه أن تكون مخاوف «الدولرة» هي المحرك الأساسي للقرار، كما لا يعتقد أن عودة الأموال الساخنة تصدرت حسابات البنك المركزي عند اتخاذه. فالقرار، من وجهة نظره، يستهدف في جوهره كبح الطلب على الواردات بطريقة غير مباشرة وذكية: رفع تكلفة الاقتراض فيخفض الاستهلاك والاستثمار تلقائيًا، فيتراجع الطلب على الاستيراد دون حاجة إلى قرارات إدارية تمنع مستوردًا من إدخال سلعة بعينها، وهو أسلوب مشوه للسوق. وبهذه الآلية تُوجَّه الدولارات الشحيحة إلى الأولويات الحقيقية، وفي مقدمتها البترول والغذاء، بينما تتأجل السلع التي يستطيع المواطن تأجيل شرائها أو الاستغناء عنها مؤقتًا.

هاني جنينة والعقود الآجلة للدولار في مواجهة صدمتين من الحرب

وضع جنينة القرار في سياق أوسع، مؤكدًا أن مصر تواجه في اللحظة الراهنة صدمتين متزامنتين مصدرهما الحرب وتداعياتها العالمية. الصدمة الأولى تضرب الحساب الجاري والميزان التجاري مباشرة، لأن ارتفاع أسعار الطاقة قد يضيف ما بين 10 و15 مليار دولار إلى فاتورة الطاقة خلال العام الحالي وحده، وهو عبء ضخم على أي اقتصاد يعاني أصلًا من فجوة في النقد الأجنبي. أما الصدمة الثانية فتأتي من سلوك المستثمر الأجنبي نفسه، الذي يتجه بطبيعته وقت الحروب إلى التحوط وتقليل انكشافه على الأسواق الناشئة لحين اتضاح الصورة وانتهاء الصراع.

وأشار إلى أن البنك المركزي يحاول، عبر تشديد السياسة وكبح الواردات غير الضرورية، مواجهة الصدمة الأولى أساسًا، لا مجرد مطاردة المستثمرين الخارجين. ولفت إلى أن عوائد أذون الخزانة كانت قد ارتفعت بالفعل قبل صدور القرار، وأن المستثمرين الأجانب الذين خرجوا بنحو 3.5 مليار دولار خلال الأسبوعين الماضيين، مع عودة جزئية لاحقة، استفادوا عمليًا من انخفاض قيمة الجنيه بنحو 10%، وهو ما يشبه خصمًا على كل الأصول المصرية لمن يفكر في الدخول الآن. غير أن هذا الخصم وحده لا يكفي، كما أن نسبة الـ1% الإضافية وحدها لن تعيد الأموال الساخنة، على حد تعبيره.

القيمة الحقيقية للقرار: رسالة ثقة واستقلالية

خلص جنينة إلى أن القيمة الحقيقية لرفع الفائدة تكمن في الرسالة لا في الرقم. فالمركزي يقول للأسواق بوضوح إن مصر لن تتجاهل صدمات التضخم، وإنها مستعدة لاتخاذ ما يلزم لإعادة التضخم إلى خانة الآحاد، قرب المستوى المستهدف البالغ نحو 7%. هذه الجدية، مقترنة بمرونة سعر الصرف واستقلالية البنك المركزي التي تعزز ثقة المستثمرين، هي ما قد يدفع الأجانب إلى العودة خلال الأسابيع المقبلة، بعدما يدركون أن صانع السياسة النقدية يتحرك مبكرًا ولا ينتظر تفاقم الأزمة. وفي سوق يتداول فيه الدولار حول 55.99 جنيه للشراء و56.09 للبيع يومي 30 و31 أكتوبر، تبدو هذه الرسالة هي الرهان الأكبر للمركزي.

تحليل الفلوس

أهمية شرح جنينة أنه ينزع فتيل شائعة رقمية خطيرة قبل أن تتحول إلى سلوك جماعي. فعندما يقرأ المواطن أن «الدولار سيصل إلى 64 جنيهًا بعد عام» دون فهم لمعادلة تكلفة الحمل، قد يندفع إلى اكتناز العملة الأمريكية أو تحويل مدخراته على عجل، فيصنع بيديه الضغط الذي يخشاه على سعر الصرف. التمييز الدقيق بين السعر الآجل الحسابي والتوقع السوقي ليس ترفًا أكاديميًا، بل أداة لحماية السوق من ذعر ذاتي التحقق، خاصة في لحظة حرب وارتفاع في فاتورة الطاقة يقدَّر بعشرة مليارات دولار إضافية على الأقل.

في المقابل، لا يجب أن يخفي الإعجاب بجرأة المركزي كلفة القرار الحقيقية على العقار والموازنة العامة، وهي كلفة أقر بها جنينة نفسه حين وصف الرفع بالمفاجئ. الحكومة ستدفع فائدة أعلى على دين محلي ضخم، والقطاع العقاري الضعيف أصلًا منذ عامين سيتحمل تمويلًا أغلى. رهان المركزي هنا أن كلفة التحرك المبكر أقل بكثير من كلفة ترك التضخم ينفلت ثم مطاردته لاحقًا بجرعات أعنف، وأن إشارة العودة إلى تضخم أحادي الرقم ستعيد المستثمر الأجنبي بأسعار أصول مخفضة بنحو العُشر. الأسابيع المقبلة، وحركة أذون الخزانة وتدفقات الأجانب تحديدًا، ستكون الحكم العملي على هذا الرهان.

ويبقى الدرس الأعمق هو تفضيل أدوات السوق على الحلول الإدارية: بدلًا من منع الاستيراد بقوائم تخلق نقصًا وتشوهات، رفع المركزي ثمن الاقتراض ليرشد المستهلك والمستثمر الطلب بنفسيهما، فتتجه الدولارات إلى النفط والغذاء أولًا — وهو ما يجعل رقم العقود الآجلة مجرد معادلة، لا قدرًا على الجنيه.

المصدر: مصراوي — هاني جنينة: العقود الآجلة للدولار عند 64 جنيهًا معادلة حسابية، عن مداخلة د. هاني جنينة في برنامج «الصورة» مع لميس الحديدي على قناة النهار.


📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. هاني جنينة وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img