دخل ملف البترول غير التقليدي رسميا إلى أجندة وزارة البترول والثروة المعدنية، بعدما كشفت دراسات فنية متخصصة عن إمكانات واعدة لاستخراج النفط الخام المحبوس داخل تكوينات صخرية في بعض مناطق امتياز الصحراء الغربية. وأعلنت الوزارة، في بيان صدر يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، أن الخطوة المقبلة هي إعداد برنامج لحفر آبار تجريبية لاختبار الجدوى الفنية والاقتصادية، في مسعى جديد لرفع إنتاج مصر من الخام وتقليل الاعتماد على الاستيراد في وقت تتجاوز فيه أسعار برنت العالمية 110 دولارات للبرميل.
ما هو البترول غير التقليدي ولماذا يحتاج تكنولوجيا خاصة؟
النفط التقليدي الذي تنتجه مصر منذ عقود يتدفق من مكامن صخرية مسامية تسمح للخام بالحركة نحو البئر بمعدلات اقتصادية، أحيانا بضغط طبيعي وأحيانا بمساعدة مضخات وحقن للمياه أو الغاز. أما البترول غير التقليدي فهو خام محبوس داخل صخور منخفضة النفاذية، أشبه بقطرات زيت عالقة داخل إسفنجة حجرية مغلقة المسام، فلا يتحرك نحو البئر بالطرق العادية حتى لو كان موجودا بكميات كبيرة تحت الأرض.
لإطلاق هذا الخام من محبسه تحتاج الشركات إلى تكنولوجيا متقدمة، في مقدمتها الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، وهي عملية تضخ فيها سوائل بضغط هائل لفتح شقوق دقيقة داخل الصخر تسمح للنفط بالتسرب والتدفق. هذه التقنية هي التي حولت الولايات المتحدة خلال أقل من عقدين إلى أكبر منتج للنفط في العالم عبر ما عرف بثورة النفط الصخري، لكنها في المقابل أغلى بكثير من الحفر التقليدي، وتحتاج معدات وخبرات وسلاسل إمداد غير متوافرة دائما في الأسواق الناشئة.
لهذا السبب لم تدخل مصر هذا المجال من قبل على نطاق تجريبي منظم. الفارق اليوم أن الدراسات الجديدة لم تأت من جهة محلية وحدها، بل شارك فيها خبراء دوليون متخصصون في الموارد غير التقليدية ومؤسسة أمريكية، وهو ما يعطي نتائجها وزنا فنيا أكبر، ويجعل قرار الانتقال إلى الحفر التجريبي مبنيا على تقييم خارجي مستقل وليس على تقديرات داخلية فقط.
لقاء الوزير كريم بدوي مع رئيس شركة NESR العالمية
جاء الإعلان بعد لقاء عقده المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، مع شريف فودة، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة NESR، وهي شركة عالمية تعمل في خدمات وتكنولوجيا حقول النفط. وخلال اللقاء استعرضت الشركة نتائج دراسات فنية وتقييمية أجرتها بالتعاون مع إحدى المؤسسات الأمريكية ونخبة من الخبراء الدوليين في مجال البترول غير التقليدي، وأشارت النتائج إلى وجود إمكانات واعدة في بعض مناطق امتياز الشركات القائمة بالفعل في الصحراء الغربية.
اختيار مناطق امتياز منتجة حاليا نقطة مهمة في فهم الخطة. فالوزارة لا تتحدث عن مناطق بكر مجهولة تماما، بل عن امتيازات تعمل فيها شركات قائمة ولديها بيانات جيولوجية وآبار وسجلات إنتاج، وهو ما يقلل درجة عدم اليقين الجيولوجي، ويسمح بأن تستند دراسات الموارد غير التقليدية إلى معلومات حقيقية عن طبقات الأرض في تلك المناطق، لا إلى مسوحات نظرية بعيدة عن الواقع الميداني.
حضر اللقاء عدد من قيادات قطاع البترول، في مقدمتهم المهندس صلاح عبد الكريم، الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للبترول، وسيد سليم، العضو المنتدب التنفيذي للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية إيجاس، والمهندس إسحاق سعد، رئيس الإدارة المركزية لإنتاج الخام والمشرف على إنتاج الغاز. حضور هذا المستوى من القيادات يعكس أن الملف لن يدار من شركة خدمات وحدها، بل سيمر عبر الهيئة العامة للبترول المسؤولة عن اتفاقيات الامتياز وخطط الإنتاج، وعبر الشركات المشغلة التي تمتلك الامتيازات على الأرض.
الخطوات المقبلة لملف البترول غير التقليدي في الصحراء الغربية
اتفق الجانبان، وفق بيان وزارة البترول، على تنسيق مشترك بين شركة NESR والهيئة المصرية العامة للبترول والشركات المشغلة، لإعداد برنامج عمل يستهدف حفر آبار تجريبية واختبارية في المناطق المستهدفة. الهدف من هذه الآبار ليس الإنتاج التجاري الفوري، بل قياس معدلات التدفق الفعلية من الصخور منخفضة النفاذية، وتحديد التكنولوجيا الأنسب لكل منطقة، ثم تقييم الجدوى الفنية والاقتصادية للتوسع إذا أثبتت الاختبارات نجاحها.
ضمن الخطوات المتفق عليها أيضا أن يزور خبراء دوليون مصر خلال الفترة المقبلة لعرض نتائج الدراسات على فريق الإنتاج بالهيئة العامة للبترول، وتحديد المتطلبات الفنية والتكنولوجية اللازمة لبدء التنفيذ. هذه الزيارة ستكون على الأرجح لحظة الحسم الأولى، لأن فريق الهيئة سيواجه الدراسات بأسئلة عملية حول أعماق الطبقات المستهدفة، ونوعية الخام، ومعدلات الانخفاض المتوقعة بعد بدء الإنتاج، وتكلفة البئر الواحدة مقارنة بالآبار التقليدية في الصحراء الغربية.
حتى الآن لم تعلن الوزارة أي أرقام عن حجم الموارد أو الاحتياطيات المحتملة، ولم تحدد عدد الآبار التجريبية أو موعد بدء الحفر أو تكلفة البرنامج. هذا الغياب للأرقام ليس نقصا في البيان بقدر ما هو انعكاس لطبيعة المرحلة: ففي مشروعات الموارد غير التقليدية لا يمكن إعلان احتياطي مؤكد قبل حفر آبار اختبارية وقياس تدفقها لشهور، وأي رقم يعلن قبل ذلك يبقى تقديرا نظريا للموارد الأصلية في باطن الأرض، لا احتياطيا قابلا للإنتاج والبيع.
تنويع مصادر الإنتاج خطة أوسع من ملف واحد
أكد وزير البترول خلال اللقاء أن تنمية موارد البترول غير التقليدي تمثل أحد محاور خطة الوزارة لتنويع مصادر الإنتاج وزيادة معدلات إنتاج النفط الخام خلال الفترة المقبلة. وتشمل المحاور الأخرى تكثيف أعمال البحث والاستكشاف، وتسريع تنمية الاكتشافات الجديدة ووضعها على خريطة الإنتاج، ورفع كفاءة الحقول القائمة التي تعاني تراجعا طبيعيا في الإنتاج مع تقدم عمرها.
هذا التوصيف يضع الملف في حجمه الصحيح. فمصر لا تراهن على النفط غير التقليدي وحده لتعويض تراجع إنتاج الحقول القديمة أو سد فجوة الاستيراد، بل تضيفه إلى سلة أدوات متوازية، بعضها سريع الأثر مثل رفع كفاءة الحقول القائمة، وبعضها متوسط الأجل مثل تنمية الاكتشافات، وبعضها طويل الأجل وعالي المخاطر مثل الموارد غير التقليدية التي قد تستغرق سنوات قبل أن تتحول إلى براميل منتجة فعليا.
تحليل الفلوس
توقيت التحرك هو أول ما يستحق التوقف عنده. فخام برنت أنهى تعاملات الجمعة 30 أكتوبر مستقرا عند 117.64 دولار للبرميل للعقود الآجلة، بينما بنت الموازنة العامة المصرية تقديراتها على سعر افتراضي يدور حول 75 دولارا للبرميل. الفجوة بين الرقمين تعني أن كل برميل تستورده مصر يكلف الخزانة العامة أكثر بكثير مما خططت له، وأن أي برميل إضافي ينتج محليا لا يوفر ثمنه فقط، بل يوفر أيضا العملة الصعبة وتكلفة الشحن والتأمين، ويخفف الضغط المباشر على عجز الموازنة. في هذا السياق يصبح البحث عن موارد جديدة، حتى الصعبة والمكلفة منها، قرارا ماليا بقدر ما هو قرار فني.
لكن على القارئ أن يضبط سقف توقعاته زمنيا. المسار المعلن حتى الآن هو دراسات منجزة، ثم عرض فني أمام الهيئة، ثم برنامج آبار تجريبية، ثم تقييم للجدوى، وبعدها فقط قرار بالتوسع التجاري. هذا تسلسل يقاس بالسنوات لا بالشهور، حتى في الدول التي تمتلك بنية خدمية جاهزة للتكسير الهيدروليكي. كما أن تكلفة البئر غير التقليدية أعلى بعدة أضعاف من البئر التقليدية، ومعدلات إنتاجها تنخفض بسرعة بعد الأشهر الأولى، ما يعني الحاجة لحفر مستمر للحفاظ على مستوى الإنتاج. يضاف إلى ذلك سؤال بيئي ومائي لا يمكن تجاوزه: التكسير الهيدروليكي يستهلك كميات كبيرة من المياه والرمال والمواد الكيميائية، وتنفيذه في بيئة صحراوية شحيحة المياه يتطلب إجابات واضحة عن مصدر المياه ومعالجة المياه الراجعة وحماية الخزانات الجوفية.
إذا نجحت الآبار التجريبية وأثبتت أن صخور الصحراء الغربية تطلق خامها بمعدلات اقتصادية عند أسعار فوق 100 دولار، فستكون مصر قد فتحت بابا جديدا بالكامل لتمديد عمر مناطق إنتاجها القديمة وتقليل فاتورة استيراد الخام والمنتجات البترولية على المدى المتوسط. أما إذا جاءت معدلات التدفق ضعيفة أو التكلفة أعلى من العائد، فستكون تكلفة التجربة محدودة في آبار اختبارية معدودة، وستبقى المحاور الأخرى للخطة هي الرهان الأساسي. الحكم النهائي لن تصنعه البيانات الصحفية، بل أرقام التدفق الأولى من باطن الصحراء الغربية نفسها.
المصدر: بيان وزارة البترول والثروة المعدنية الصادر يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026.







