احتياطي النقد الأجنبي لمصر يسجل 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر.. أعلى مستوى قياسي في تاريخه

Published:

أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، مقابل 57.214 مليار دولار بنهاية أغسطس، بزيادة تقارب 135.5 مليون دولار خلال الشهر، ليسجل احتياطي النقد الأجنبي أعلى مستوى قياسي له على الإطلاق، مواصلًا مسار الصعود الذي بدأه منذ نهاية 2025.

وجاء الإعلان، الذي صدر الأربعاء 7 أكتوبر، بعد أيام من قرار لجنة السياسة النقدية في 24 سبتمبر بالإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير، وبالتزامن مع تجديد اتفاقية مقايضة العملات بين البنك المركزي المصري ومصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي بقيمة 5 مليارات درهم إماراتي.

احتياطي النقد الأجنبي: مسار صعود متواصل منذ ديسمبر 2025

لم تأتِ زيادة سبتمبر من فراغ؛ إنها حلقة جديدة في سلسلة ارتفاعات امتدت تسعة أشهر متتالية. فبحسب بيانات البنك المركزي، كان الاحتياطي عند 51.45 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025، ليرتفع إلى 53.13 مليار دولار في مايو، ثم 55.07 مليار بنهاية يونيو، و56.29 مليار بنهاية يوليو، و57.21 مليار بنهاية أغسطس، قبل أن يصل إلى 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر. أي أن مصر أضافت نحو 5.9 مليار دولار إلى احتياطياتها الدولية في تسعة أشهر فقط.

وذكرت وكالة رويترز، نقلًا عن بيانات البنك المركزي، أن صافي الاحتياطيات ارتفع إلى 57.348 مليار دولار في سبتمبر من 57.215 مليار دولار في أغسطس، في تأكيد جديد على أن المستوى الحالي هو الأعلى في تاريخ مصر.

من أين جاءت الزيادة؟ تحويلات المصريين بالخارج تتصدر المشهد

تقف تحويلات المصريين العاملين بالخارج على رأس قائمة الممولين لهذا الصعود. فبحسب أحدث بيانات البنك المركزي، بلغت التحويلات نحو 29.7 مليار دولار خلال الشهور السبعة الأولى من 2026 (يناير–يوليو)، بزيادة 28.1% عن 23.2 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي. وفي يوليو وحده وصلت التحويلات إلى نحو 4.5 مليار دولار، بارتفاع 20% على أساس سنوي، مقابل 3.8 مليار دولار في يوليو 2025.

وكان البنك المركزي قد أعلن في أغسطس الماضي أن تحويلات السنة المالية 2025/2026 بلغت 47.3 مليار دولار، مقابل 36.5 مليار دولار في السنة المالية السابقة، بزيادة 29.6%، لتسجل مستوى قياسيًا غير مسبوق يؤكد تحول التحويلات إلى المورد الأول والأكثر استقرارًا للنقد الأجنبي في الاقتصاد المصري.

احتياطي النقد الأجنبي وروافده الأخرى: السياحة وقناة السويس والمقايضات

إلى جانب التحويلات، تتحسن بقية روافد العملة الصعبة. تتوقع الحكومة تجاوز إيرادات السياحة 20 مليار دولار، بينما تتعافى إيرادات قناة السويس تدريجيًا بحسب تقييم صندوق النقد الدولي. كما جدد البنك المركزي ومصرف الإمارات المركزي اتفاقية مقايضة العملات بقيمة 5 مليارات درهم إماراتي، في خطوة تعزز شبكة الأمان النقدية لمصر وتوفر سيولة بالعملات الأجنبية عند الحاجة.

وتعزز الصورة أيضًا بيانات القطاع المصرفي ككل: فقد ارتفع صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك والبنك المركزي إلى 31.2 مليار دولار خلال أغسطس 2026، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2020، منها 12.4 مليار دولار لدى البنوك التجارية و18.8 مليار دولار لدى البنك المركزي نفسه.

ماذا يعني احتياطي النقد الأجنبي لاقتصاد مصر والجنيه؟

بعيدًا عن لغة البيانات الرسمية، يمكن تبسيط الأمر هكذا: احتياطي النقد الأجنبي هو “صندوق الطوارئ الدولاري” للدولة. تُستخدم هذه الأموال في ثلاثة أغراض رئيسية: تمويل فاتورة الواردات من السلع الأساسية والمواد الخام عندما تشح العملة الصعبة، وسداد الالتزامات الخارجية من أقساط ديون وفوائد سندات في مواعيدها دون تعثر، ومنح سوق الصرف والبنوك الثقة بأن الدولار متاح عند الطلب، وهو ما يحد من نوبات الهلع والمضاربة على الجنيه.

وكلما ارتفع الاحتياطي، اتسعت قدرة البنك المركزي على إدارة سعر الصرف بمرونة دون اللجوء إلى تخفيضات حادة أو مفاجئة، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، ومن ثم على التضخم الذي يدفعه المواطن من جيبه كل شهر.

صندوق النقد يرفع مستهدف بناء الاحتياطي إلى 7.7 مليار دولار

تأتي الأرقام الجديدة بينما تضع وثائق المراجعة السابعة لبرنامج مصر مع صندوق النقد الدولي مستهدفًا طموحًا: زيادة احتياطي النقد الأجنبي بنحو 7.7 مليار دولار خلال العام المالي الحالي، مقابل 1.3 مليار دولار فقط كان مستهدفًا بعد المراجعتين الخامسة والسادسة.

وكشف الصندوق أيضًا عن فجوة تمويلية لمصر بقيمة 9.7 مليار دولار خلال العام المالي الحالي، تشمل 2.1 مليار دولار هي الفارق بين احتياجات التمويل الخارجي البالغة 32.6 مليار دولار ومصادره البالغة 30.5 مليار دولار، إضافة إلى 7.7 مليار دولار هي مستهدفات بناء الاحتياطي. وفي يوليو الماضي استكمل الصندوق مراجعتين أتاحتا لمصر الحصول على نحو 1.8 مليار دولار، بينما تنتظر القاهرة شريحة أولى بقيمة 1.5 مليار يورو (نحو 1.72 مليار دولار) من حزمة المساعدة الأوروبية البالغة 5 مليارات يورو.

تحليل الفلوس

الرقم القياسي حقيقي، لكن قراءة الفلوس تبدأ من سؤالين: كم الزيادة فعليًا، ومن أين جاءت؟ زيادة سبتمبر البالغة نحو 135.5 مليون دولار متواضعة إذا قورنت بمتوسط التراكم الشهري منذ ديسمبر الماضي، الذي تجاوز مليار دولار شهريًا. هذا ليس عيبًا في حد ذاته؛ فالاحتياطيات لا تنمو بخط مستقيم، وشهور مثل سبتمبر تشهد عادة التزامات خارجية موسمية تمتص جزءًا من التدفقات. المهم أن الاتجاه العام لم ينكسر، وأن الزيادة جاءت في شهر اتسم بضغوط إقليمية وتقلبات في أسواق المنطقة.

السؤال الثاني أهم: جزء من هذا الاحتياطي ممول بتدفقات “الأموال الساخنة” — استثمارات المحافظ الأجنبية في أدوات الدين المصرية — التي خرج منها 9.5 مليار دولار ثم عاد أكثر منها، بحسب تغطية الفلوس هذا الأسبوع. هذه الأموال مفيدة لكنها سريعة الحركة، وتختلف جذريًا عن تحويلات المصريين بالخارج التي تجاوزت 47 مليار دولار سنويًا بمتوسط شهري يفوق 4 مليارات دولار، وهي تدفقات “لزجة” لا تهرب مع أول إشارة توتر. قوة الاحتياطي الحقيقية تُقاس بنسبة التمويل المستقر فيه، لا برقمه الإجمالي وحده.

ماذا يعني ذلك للجنيه والمدخر العادي؟ احتياطي عند 57.35 مليار دولار يمنح البنك المركزي مساحة مريحة لإدارة مرنة لسعر الصرف، ويقلل احتمالات أي صدمة عملة مفاجئة — وهو ما يظهر بالفعل في استقرار نسبي لسعر الدولار اليوم رغم تقلبات المنطقة. لكن الاحتياطي وحده لا يخفض الأسعار: التضخم الأساسي ما زال عند 14.1% في سبتمبر، والفائدة مرتفعة، والاختبار الحقيقي سيكون في الأشهر المقبلة — موسم ذروة التحويلات، ومسار إيرادات السياحة نحو 20 مليار دولار، وتعافي قناة السويس، ومراجعات صندوق النقد، وقرار الفائدة المقبل في 29 أكتوبر. من يتابع هذه المؤشرات الخمسة سيعرف اتجاه الجنيه قبل أن يتحرك.

المصادر: البنك المركزي المصري، وكالة رويترز (7 أكتوبر 2026)، masralyoum.news.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img