عادت الأموال الساخنة إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة من باب الخروج. المستثمرون الأجانب سجلوا صافي تخارج بنحو 1.52 مليار دولار من استثماراتهم في أذون الخزانة المحلية خلال أسبوع واحد فقط، وفق التقرير الأسبوعي للبورصة المصرية الصادر في 31 أكتوبر 2026، في إشارة واضحة إلى أن شهية الصناديق الأجنبية تجاه أدوات الدين المصرية بدأت تتراجع رغم العوائد القياسية المعروضة. الرقم لا يقف وحده؛ فهو حلقة في سلسلة ممتدة طوال أكتوبر، شهر تحوّل فيه الجنيه إلى أدنى مستوى في تاريخه متجاوزًا حاجز 56 جنيهًا للدولار، واضطر فيه البنك المركزي إلى رفع الفائدة لأول مرة منذ أكثر من عامين ونصف.
الأموال الساخنة تغادر: أرقام أسبوع وشهر كامل
صافي مبيعات الأجانب في السوق الثانوية لأذون الخزانة خلال شهر أكتوبر كاملًا بلغ نحو 3.5 مليار دولار، أي ما يعادل 198.6 مليار جنيه تقريبًا، وفق التقرير الشهري للبورصة المصرية. هذا يعني أن خروج الأسبوع الأخير وحده، البالغ 1.52 مليار دولار، يمثل أكثر من 43% من إجمالي تخارج الشهر، وهو ما يوضح أن وتيرة البيع تسارعت في الأيام الأخيرة من الشهر بدلًا من أن تهدأ. السوق الثانوية هي المكان الذي يبيع فيه المستثمر الأذون التي اشتراها من قبل لمستثمر آخر، وعندما تتجاوز مبيعات الأجانب مشترياتهم بهذا الحجم، فالمعنى العملي أن سيولة دولارية حقيقية غادرت السوق، وعلى البنوك والبنك المركزي تعويضها من مصادر أخرى أو ترك الجنيه يتحمل الضغط.
المقارنة مع الذروة تكشف حجم الانكشاف. حيازات الأجانب في أذون الخزانة بلغت ذروتها عند 55.1 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، وفق بيانات البنك المركزي المصري. ومصر عاشت هذا الفيلم من قبل: في موجة اضطرابات سابقة خرج نحو 15.8 مليار دولار دفعة واحدة تقريبًا، فتراجعت الحيازات إلى 36.04 مليار دولار بنهاية مارس 2026، ثم تعافت تدريجيًا مع تحسن العوائد وعودة الثقة. هذه الطبيعة المتقلبة هي جوهر المشكلة؛ فالمال الذي يدخل بسرعة بحثًا عن عائد مرتفع، يخرج بسرعة أكبر عند أول إشارة خطر.
ستاندرد تشارترد: التخارج بين 10 و15 مليار دولار من الذروة
التقدير الأوسع جاء من بنك ستاندرد تشارترد. مازن بربير، رئيس تداول العملات الإقليمي في البنك، قال في مقابلة مع «الشرق بلومبرغ» ضمن برنامج «ويك إند القاهرة» مع زينة صوفان، إن حجم الأموال الساخنة التي خرجت من مصر يتراوح بين 10 و15 مليار دولار مقارنة بأعلى مستوياتها. هذا التقدير أوسع من أرقام البورصة الأسبوعية والشهرية لأنه يقيس الفارق التراكمي بين ذروة الحيازات ومستواها الحالي عبر كل أدوات الدين قصيرة الأجل، لا مبيعات أسبوع أو شهر بعينه. وعندما يصدر تقدير بهذا الحجم عن بنك عالمي يتداول العملة المصرية يوميًا لصالح عملائه، فهو يعكس ما تراه غرف التداول فعلًا: مراكز تم تقليصها بشكل منهجي خلال الأسابيع الماضية، وليس عملية بيع عابرة من صندوق واحد.
أسباب الخروج ليست سرًا. الجنيه واصل التراجع حتى كسر حاجزًا نفسيًا وتاريخيًا، والدولار تجاوز 56 جنيهًا، ما يعني أن أي مستثمر اشترى أذونًا قبل أشهر بعائد مرتفع قد يخسر جزءًا من مكاسبه عند تحويلها للدولار إذا استمر الانخفاض. يضاف إلى ذلك توترات المنطقة المتصاعدة وأسعار نفط تجاوزت 110 دولارات للبرميل، وهي عوامل ترفع كلفة الاستيراد على مصر وتدفع الصناديق العالمية عادة إلى تقليص انكشافها على الأسواق الناشئة الأكثر حساسية. المعادلة بسيطة من وجهة نظر مدير الصندوق: العائد المرتفع لم يعد يعوّض مخاطرة العملة والمخاطرة الجيوسياسية معًا.
الجنيه عند أدنى مستوى تاريخي والمركزي يرد برفع الفائدة
أسعار الصرف تعكس الضغط بلا تجميل. في إغلاق الخميس 29 أكتوبر 2026 سجل الدولار لدى البنك المركزي المصري 55.98 جنيه للشراء و56.12 جنيه للبيع، وفي البنك الأهلي المصري وبنك مصر بلغ 55.99 جنيه للشراء و56.09 جنيه للبيع، بينما سجل مصرف أبوظبي الإسلامي أعلى سعر عند 56.09 جنيه للشراء و56.19 جنيه للبيع. وأسعار اليوم السبت 31 أكتوبر هي نفسها أسعار إغلاق الخميس، نظرًا لعطلة البنوك الأسبوعية، ما يعني أن السوق ينتظر افتتاح الأحد ليعرف الاتجاه التالي بعد قرار الفائدة.
رد البنك المركزي جاء سريعًا وحادًا. في اجتماع 29 أكتوبر قررت لجنة السياسة النقدية رفع أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض و20.5% لسعر العملية الرئيسية، في أول رفع منذ مارس 2024. الهدف المعلن ضمنيًا واضح: تعزيز جاذبية الجنيه ورفع العائد الحقيقي الذي يحصل عليه من يشتري أدوات الدين المحلية، حتى يصبح الاحتفاظ بالجنيه أكثر إغراءً من الخروج منه. وفي اليوم نفسه قفز عائد أذون الخزانة لأجل سنة إلى 26.08% في مزاد الخميس، الذي باع فيه البنك المركزي أذونًا بقيمة 78.8 مليار جنيه، وهو عائد من أعلى المستويات تاريخيًا ويعكس كلفة الاقتراض الحكومي المتزايدة بقدر ما يعكس فرصة للمشترين.
الأموال الساخنة تعود جزئيًا في جلسة الخميس نفسها
الصورة ليست اتجاهًا واحدًا بلا انقطاع. جلسة الخميس نفسها، التي شهدت قفزة العائد وقرار رفع الفائدة، سجلت عودة شراء أجنبية جزئية بنحو 367 مليون دولار بعد موجة التخارج، وفق بيانات السوق. هذا التفصيل مهم لأنه يوضح طبيعة هذه التدفقات: هي ليست حكمًا نهائيًا على الاقتصاد، بل حسابات سريعة للعائد والمخاطرة تُراجع كل جلسة. عندما ارتفع عائد الأذون لأجل سنة إلى 26.08% وتحركت الفائدة الرسمية إلى 20%، رأى بعض المتعاملين أن نقطة الدخول أصبحت جذابة مجددًا، فعادوا بجزء من مراكزهم في اليوم نفسه.
لكن الشراء الجزئي لا يلغي الاتجاه العام للشهر. فمقابل 367 مليون دولار عائدة في جلسة، خرج 3.5 مليار دولار خلال أكتوبر و1.52 مليار دولار في أسبوع واحد. كما أن الاعتماد على هذا النوع من التدفقات لتمويل عجز الموازنة واحتياجات الاستيراد يظل رهانًا مكلفًا: الخزانة تدفع اليوم عوائد تقترب من 26% على أدوات قصيرة الأجل، وكل نقطة مئوية إضافية في العائد تترجم إلى مليارات الجنيهات من فوائد الدين في الموازنة، وهو عبء يزاحم الإنفاق على الدعم والخدمات والاستثمارات العامة.
تحليل الفلوس
لماذا تخرج الأموال الساخنة رغم عوائد قياسية؟ لأن المستثمر الأجنبي لا يقارن عائد الأذون بصفر، بل يقارنه بما قد يخسره من سعر الصرف. عائد 26% خلال سنة يصبح بلا قيمة تقريبًا إذا فقد الجنيه نسبة مقاربة من قيمته في الفترة نفسها، وهذا هو الحساب الذي دار في غرف التداول طوال أكتوبر مع كسر الجنيه لمستويات تاريخية. رفع الفائدة 100 نقطة أساس خطوة ضرورية لإرسال إشارة جدية، لكنه وحده قد لا يكفي؛ فالصناديق تنتظر دليلًا على أن التراجع توقف فعلًا، وأن الدولار متاح عند الخروج بالسعر المعلن، وأن مسار التضخم وأسعار الطاقة لن يفرض جولة جديدة من الضغوط. العائد المرتفع يجذب، لكن الاستقرار هو ما يُبقي الأموال في مكانها.
الخطر الأعمق بنيوي. تمويل عجز الموازنة وسد فجوة النقد الأجنبي بتدفقات قصيرة الأجل تتحرك بمليارات الدولارات في أسبوع واحد يعني أن الاقتصاد كله يقف على أرض متحركة؛ فتجربة التراجع من 55.1 مليار دولار ذروة إلى 36.04 مليارًا في موجة سابقة، وتقدير ستاندرد تشارترد بخروج 10 إلى 15 مليار دولار من الذروة الحالية، يثبتان أن هذا التمويل يمكن أن ينكمش أسرع بكثير من قدرة أي حكومة على إيجاد بديل. البدائل الأبطأ والأثقل — صادرات، سياحة، تحويلات، استثمار أجنبي مباشر يبني مصانع لا يشتري أذونًا — هي وحدها التي تخفض هذا الانكشاف بمرور الوقت.
ما الذي يجب أن يراقبه المواطن العادي؟ أول اختبار حقيقي يأتي يوم الأحد: أول مزاد وجلسة تداول بعد رفع الفائدة. إذا عاد الأجانب مشترين بصافي مئات الملايين واستمر الأمر أكثر من جلسة، فمعنى ذلك أن مزيج الفائدة عند 20% وعائد الأذون عند 26% نجح في إعادة التسعير لصالح الجنيه، وقد يستقر سعر الصرف قرب مستوياته الحالية أو يتحسن قليلًا. أما إذا تجدد البيع الصافي واستمر الدولار فوق 56 جنيهًا في البنوك، فالضغط سينتقل كالعادة إلى أسعار السلع المستوردة والوقود وتكلفة المعيشة خلال أسابيع. بالنسبة لصاحب مدخرات صغيرة، الرسالة العملية هي أن عوائد الشهادات والأذون المرتفعة اليوم ليست مكسبًا خالصًا؛ فهي الوجه الآخر لكلفة يدفعها الاقتصاد كله، وقيمتها الحقيقية تُقاس بما سيحدث للتضخم وسعر الجنيه في الشهور المقبلة، لا برقم العائد وحده.







