قفزت أسعار النفط بأكثر من دولارين للبرميل صباح اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، بعدما قالت جماعة الحوثي في اليمن إنها استهدفت بصاروخ باليستي مصفاة رأس تنورة، أكبر مصافي السعودية، وهو ادعاء لم تؤكده السلطات السعودية حتى الآن. وبحسب ما نقلته وكالة رويترز من سنغافورة اليوم الأربعاء، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 2.02 دولار، أي بنسبة 1.8%، لتسجل 115.90 دولار للبرميل عند الساعة 07:35 بتوقيت جرينتش، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 2.01 دولار، أي بنسبة 2%، إلى 101.91 دولار للبرميل. وجاء الصعود ليعكس بالكامل تقريبًا خسائر جلسة الثلاثاء، حين تراجعت الأسعار بنحو دولارين على أمل انفراجة دبلوماسية، قبل أن تعود علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى الواجهة بقوة.
أسعار النفط تعكس خسائر الثلاثاء وتستعيد علاوة المخاطر
لم يكن صعود الأربعاء حركة عابرة في شاشات التداول. ففي تسوية الثلاثاء أغلق خام برنت عند 113.88 دولار للبرميل، وأغلق الخام الأمريكي عند 99.90 دولار، بعد موجة بيع غذّتها أنباء عن محادثات جرت يوم الاثنين في طهران بمشاركة سعودية وتركية وباكستانية، وأوحت للسوق بأن باب التهدئة لم يُغلق. المتعاملون الذين باعوا على هذا الأمل وجدوا أنفسهم صباح الأربعاء أمام خبر مختلف تمامًا: هجوم مزعوم على منشأة نفطية سعودية محورية، فعادوا للشراء بسرعة، ورفعوا الأسعار بأكثر من دولارين في ساعات قليلة. وأظهرت بيانات داو جونز التي نقلتها مورنينج ستار أن عقود برنت لشهر ديسمبر ارتفعت بنسبة 1.9% إلى 116.03 دولار، بينما ارتفع الخام الأمريكي بنسبة 2% إلى 101.91 دولار،
الفارق بين الجلستين يلخص حال السوق: كل خبر دبلوماسي يضغط على الأسعار لأسفل، وكل خبر عسكري يعيدها للصعود بوتيرة أسرع. الأسعار الحالية تحمل علاوة مخاطر كبيرة، وأي تأكيد رسمي لأضرار فعلية في منشآت التكرير أو التصدير السعودية سيحوّل الخوف إلى نقص حقيقي في إمدادات تحتاجها أسواق آسيا وأوروبا.
ماذا حدث في رأس تنورة؟ ادعاء حوثي وغياب تأكيد سعودي
بحسب ما نقلته رويترز، قالت جماعة الحوثي يوم الثلاثاء إنها ضربت مصفاة رأس تنورة في المنطقة الشرقية بالسعودية بصاروخ باليستي. والمصفاة ليست منشأة عادية: طاقتها التكريرية تبلغ نحو 550 ألف برميل يوميًا، وهي أكبر مصافي المملكة، وتقع ضمن مجمع يعد من أهم مراكز تصدير النفط السعودي إلى العالم. لكن حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تؤكد السلطات السعودية وقوع الضربة أو حدوث أي أضرار في المصفاة، ولم تصدر شركة أرامكو تعليقًا فوريًا على الادعاء. هذا الغياب للتأكيد نقطة جوهرية يجب أن ينتبه لها القارئ: ما جرى تداوله حتى الآن هو رواية طرف واحد في حرب، والسوق يتعامل معها بوصفها احتمالًا خطيرًا، لا حقيقة مثبتة.
في المقابل، قال تحالف تقوده السعودية، ويضم البحرين ومصر، يوم الثلاثاء إن دفاعاته الجوية اعترضت ودمرت ثلاثة صواريخ باليستية متجهة نحو المنطقة الشرقية، وأربع مسيّرات استهدفت جنوب المملكة، بينما أفاد الدفاع المدني السعودي بأضرار من هجوم آخر جرى اعتراضه. هذه البيانات تؤكد أن المنطقة الشرقية كانت هدفًا لمحاولات هجوم، لكنها لا تؤكد إصابة رأس تنورة نفسها. والفرق كبير: الاعتراض يعني استمرار التشغيل والتصدير طبيعيًا، أما إصابة منشأة بهذا الحجم فتعني خفضًا في التكرير والشحن، وهو ما لم يثبت بأي دليل رسمي حتى الآن.
أسعار النفط بين تصعيد محتمل وانتخابات أمريكية واجتماع أوبك بلس
نقلت رويترز عن استراتيجيين في بنك آي إن جي قولهم إن السوق بات يسعّر احتمالًا أكبر لإعادة التصعيد، لكنهم أشاروا في الوقت نفسه إلى أن تجاوز الانتخابات الأمريكية دون تجدد الضربات على إيران قد يجعل علاوة المخاطر تبدأ في التآكل تدريجيًا. هذه الملاحظة تضع إطارًا زمنيًا واضحًا للحركة المقبلة: الأسعار ستظل مشدودة الأعصاب طالما بقي احتمال الضربات قائمًا، لكنها قد تفقد جزءًا من زخمها سريعًا إذا مرت الأسابيع المقبلة دون حدث عسكري مؤكد. جزء معتبر من سعر برنت فوق 115 دولارًا هو سعر خوف، لا سعر نقص فعلي، وأسعار الخوف تتبخر أسرع مما تتراكم.
على جبهة الأساسيات، تلقى السوق دعمًا إضافيًا من بيانات المخزون الأمريكي. فقد نقلت مصادر في السوق عن معهد البترول الأمريكي أن مخزونات الخام في الولايات المتحدة انخفضت بمقدار 2.03 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 23 أكتوبر، بينما كان محللون استطلعت رويترز آراءهم يتوقعون زيادة طفيفة قدرها 15 ألف برميل فقط. الفارق بين توقع الزيادة الفعلية والسحب الفعلي من المخزون يعطي إشارة طلب أقوى مما كان متوقعًا، ويدعم الأسعار من زاوية العرض والطلب بعيدًا عن السياسة. وينتظر المتعاملون اليوم الأربعاء التقرير الرسمي لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإذا أكد أرقام المعهد، فقد يمتد الصعود، أما إذا جاءت الأرقام مخالفة فقد يتراجع جزء من مكاسب الصباح.
وينظر السوق أيضًا إلى اجتماع الأحد المقبل، حيث يجتمع سبعة منتجين في أوبك بلس لمراجعة سياسة الإنتاج. وقالت مصادر لرويترز إن التوقعات تشير إلى إبقاء مستهدفات إنتاج ديسمبر ثابتة. ثبات الإنتاج مع تصاعد المخاطر يعني أن السوق لن يجد يوم الأحد صمام أمان سريعًا إذا تفاقم الوضع في الخليج.
ماذا يعني صعود برنت لمصر الآن؟
بالنسبة لمصر، لا يترجم صعود برنت إلى زيادة فورية في أسعار البنزين والسولار عند المحطة، لسبب واضح ومعلن: لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية قررت في 15 أكتوبر 2026 تثبيت الأسعار المحلية حتى نهاية ديسمبر 2026، عند 20.75 جنيه لبنزين 80، و22.25 جنيه لبنزين 92، و24 جنيهًا لبنزين 95، و20.50 جنيه للسولار. هذا التثبيت يحمي المستهلك من صدمة فورية، لكنه لا يلغي الكلفة؛ هو فقط ينقلها من جيب المواطن عند المحطة إلى فاتورة الاستيراد والدعم في موازنة الدولة، لأن مصر تستورد جزءًا معتبرًا من احتياجاتها من المنتجات البترولية والخام، وكل دولار إضافي في سعر البرميل يرفع كلفة الشحنات المتعاقد عليها للأسابيع المقبلة.
القناة الثانية هي التضخم. استمرار النفط مرتفعًا يرفع كلف النقل والشحن عالميًا ويغذي أسعار سلع مستوردة أخرى. ويأتي الصعود في توقيت حساس: مساء اليوم الأربعاء عند 18:00 بتوقيت جرينتش يعلن الفيدرالي الأمريكي قرار الفائدة، وغدًا الخميس يجتمع البنك المركزي المصري. أي تشدد في لهجة الفيدرالي سينعكس على الدولار وتدفقات الأموال إلى الأسواق الناشئة ومنها مصر. وللمقارنة مع الجلسة السابقة، راجع تغطية الفلوس في مقال تراجع النفط عند تسوية الثلاثاء على أمل الدبلوماسية.
تحليل الفلوس
قراءتنا في الفلوس أن مكسب اليوم الحقيقي ليس الدولارين اللذين أضافهما برنت، بل الرسالة التي بعثت بها السوق: لا أحد مستعد للمغامرة ببيع النفط بقوة طالما ظلت منشآت الخليج في مرمى الصواريخ، حتى لو كانت الضربة المزعومة غير مؤكدة. هذا يعني أن الأرضية السعرية للنفط في الأسابيع المقبلة ستظل مرتفعة، وأن أي تراجع على أمل التهدئة سيبقى هشًا وقابلًا للانقلاب بخبر واحد. بالنسبة لمصر، الخطر المباشر ليس سعر المحطة المثبت حتى نهاية ديسمبر، بل تراكم كلفة الاستيراد خلال شهرين كاملين من الأسعار المرتفعة، وما سيعنيه ذلك لقرار التسعير المقبل في يناير، ولحجم الدعم الذي ستتحمله الموازنة إذا بقي برنت فوق 110 دولارات.
النقطة الثانية التي تستحق الانتباه هي التوقيت المزدوج لقراري الفائدة: الفيدرالي الليلة والمركزي المصري غدًا. ارتفاع النفط يغذي التضخم عالميًا، والتضخم المرتفع يبرر تشدد البنوك المركزية، والتشدد يرفع كلفة الاقتراض على دولة مثل مصر تعتمد على التمويل الخارجي وأدوات الدين المحلية. لذلك فإن أثر هجوم مزعوم على مصفاة سعودية قد يصل إلى القاهرة عبر قناة غير مباشرة لكنها قوية: أسعار فائدة تبقى مرتفعة لفترة أطول، ودولار أقوى عالميًا، وضغط إضافي على الجنيه وتوقعات التضخم المحلي، حتى لو لم تتضرر المصفاة أصلًا.
ما الذي نتابعه من هنا؟ ثلاث علامات بالترتيب: أولًا، أي تأكيد أو نفي سعودي رسمي بشأن وضع مصفاة رأس تنورة واستمرار عمليات التصدير منها، فهو الخبر الوحيد القادر على تحويل علاوة الخوف إلى أزمة معروض حقيقية أو تبديدها. ثانيًا، تقرير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية اليوم، فتأكيد سحب المخزونات سيمنح الصعود أساسًا من الطلب لا من الخوف فقط. وثالثًا، قرار أوبك بلس يوم الأحد بشأن إنتاج ديسمبر، ولهجة الفيدرالي الليلة، لأن اجتماعهما معًا سيحدد ما إذا كان برنت سيستقر فوق 115 دولارًا أم سيبدأ رحلة التراجع التي توقعها استراتيجيو آي إن جي إذا مرت الانتخابات الأمريكية دون تصعيد جديد.







