أوبك تخفض توقعات نمو الطلب على النفط في 2026 إلى 180 ألف برميل يوميًا.. وبرنت يتراجع إلى 104.64 دولار والغاز الأوروبي يقفز

Published:

تراجعت أسعار النفط يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 بعد ثلاث جلسات متتالية من المكاسب، في وقت خفضت فيه منظمة أوبك توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2026 إلى 180 ألف برميل يوميًا فقط، مقارنة بتقدير سابق بلغ 380 ألف برميل يوميًا، بحسب ما نقلته تقارير داو جونز. وهبط خام برنت بنسبة 1.9% ليصل إلى 104.64 دولار للبرميل، بينما يبقى السعر أعلى بكثير من مستوى 100 دولار، لأن السوق لا يسعّر قوة الطلب بقدر ما يسعّر مخاطر انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

في العقود الآجلة لشهر ديسمبر، تراجع برنت بنسبة 1.8% إلى 104.77 دولار للبرميل، وهبط خام غرب تكساس الوسيط تسليم ديسمبر بنسبة 1.8% أيضًا إلى 91.18 دولار للبرميل. وفي المقابل، تماسك خام غرب تكساس للشهر الأقرب قرب 93.85 دولار، مرتفعًا بنحو 0.1%، وهو اختلاف يعود إلى اختلاف شهور العقود لا إلى تناقض في اتجاه السوق. وكان برنت قد أغلق يوم الاثنين قرب 106.65 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ منتصف سبتمبر، كما تناولت الفلوس في تغطيتها لأسعار النفط صباح الثلاثاء عند مستوى 106 دولارات عبر هذا الرابط: أسعار النفط صباح الثلاثاء.

أسعار النفط بين خفض توقعات الطلب ومخاطر الإمدادات

الخفض الجديد من أوبك ليس تعديلًا بسيطًا في الأرقام. الانتقال من 380 ألف برميل يوميًا إلى 180 ألف برميل يوميًا يعني أن المنظمة ترى أن نمو الطلب في 2026 سيكون أضعف بمقدار النصف تقريبًا مما كانت تتوقعه من قبل. رقم 180 ألف برميل يوميًا ضعيف جدًا بمعايير سوق يستهلك أكثر من 100 مليون برميل يوميًا، وهو يعني عمليًا أن الطلب العالمي بالكاد ينمو. هذا التقدير، بحسب داو جونز، يعكس قلقًا واضحًا من تباطؤ الاقتصاد العالمي ومن تراجع شهية المصانع وشركات النقل والأسواق الناشئة لاستهلاك الوقود بنفس الوتيرة السابقة.

في الوقت نفسه، رفعت أوبك توقعاتها لنمو الطلب في عام 2027 إلى 2.55 مليون برميل يوميًا، مقارنة بـ2.36 مليون برميل يوميًا في التقدير السابق. جزء من هذا الرفع مرتبط، بحسب التقرير، بالحاجة إلى إعادة بناء مخزونات استُنزفت خلال ما وصفه التقرير بحرب إيران. أي أن المنظمة ترى ضعفًا قريبًا في 2026، ثم عودة أقوى للطلب في 2027 عندما تحتاج الأسواق إلى تعويض مخزونات منخفضة. هذه الصورة المزدوجة تفسر حذر المتعاملين: ضعف قريب لا يكفي وحده لدفع الأسعار إلى الهبوط الحاد ما دامت المخزونات والمخاطر الجيوسياسية تضغط في الاتجاه المعاكس.

المفارقة الأساسية في السوق الآن أن أسعار النفط فوق 100 دولار رغم أن توقعات الطلب تُخفّض. في الظروف الطبيعية، خفض توقعات الطلب بهذا الحجم كان سيضغط على الأسعار بقوة. لكن ما يحدث مختلف، لأن الخطر الأكبر في حسابات التجار ليس ضعف الطلب، بل احتمال تعطل الإمدادات. التصعيد في الهجمات على الشحن في الخليج، وضربات الحوثيين على السعودية، يرفعان علاوة المخاطر في كل برميل. بمعنى آخر، السعر الحالي لا يقول إن الاقتصاد العالمي قوي، بل يقول إن المعروض مهدد.

لماذا تراجعت أسعار النفط يوم الثلاثاء بعد ثلاث جلسات صاعدة؟

تراجع الثلاثاء جاء بعد ثلاث جلسات من المكاسب، وهو سلوك مألوف في أسواق متوترة: موجة صعود سريعة بدافع الأخبار، ثم جني أرباح وتهدئة نسبية عندما لا يقع انقطاع فعلي كبير في الإمدادات خلال ساعات التداول نفسها. المتعاملون وازنوا يوم الثلاثاء بين عاملين متقابلين. العامل الأول هو استمرار مخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط، وهو عامل يدعم الأسعار. العامل الثاني هو احتمال زيادة صادرات الديزل الروسية، بعد تخفيف مؤقت من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبعض القيود على الطاقة الروسية، وهو عامل يضغط على الأسعار لأنه يعني معروضًا إضافيًا من المنتجات المكررة في السوق.

الغاز الأوروبي يقفز 2.5% والنحاس يتراجع والذهب يرتفع

لم يقتصر تحرك أسواق السلع يوم الثلاثاء على النفط. قفز الغاز الطبيعي الأوروبي القياسي بنسبة 2.5% ليصل إلى 86.50 يورو لكل ميجاواط ساعة، وهو مستوى مرتفع يعكس حساسية أوروبا لأي اضطراب في إمدادات الطاقة مع اقتراب موسم الشتاء ومع استمرار التوتر في ممرات الشحن. ارتفاع الغاز بهذه النسبة في جلسة واحدة، بينما يتراجع النفط، يؤكد أن السوق يميز بين سلع الطاقة بحسب درجة تعرض كل منها للمخاطر المباشرة والمخزونات المتاحة.

في المعادن، تراجعت عقود النحاس بنسبة 0.2% إلى 14590.50 دولار للطن، وهو تراجع محدود لكنه متسق مع قلق النمو العالمي الذي ظهر في خفض أوبك لتوقعات الطلب. النحاس مؤشر صناعي مهم، وضعفه النسبي يدعم قراءة تباطؤ الطلب الصناعي. في المقابل، ارتفعت عقود الذهب بنسبة 0.4% إلى 4208.40 دولار للأوقية، مستفيدة من بحث المستثمرين عن ملاذ آمن في بيئة تجمع بين توتر جيوسياسي وتباطؤ اقتصادي محتمل.

ماذا يعني خفض أوبك لتوقعات 2026؟

عندما تخفض أوبك توقعاتها للمرة الجديدة إلى هذا المستوى المنخفض، فهي ترسل إشارة إلى الحكومات والشركات بأن عام 2026 قد يشهد فائضًا محتملًا إذا استمر الإنتاج عند مستوياته الحالية بينما الطلب لا ينمو إلا قليلًا. لكن هذه الإشارة تصطدم بواقع آخر: الأسعار لا تنخفض إلى مستويات تعكس فائضًا، لأن جزءًا من الإنتاج مهدد فعليًا بمخاطر الشحن والضربات في المنطقة. النتيجة هي سوق عالقة بين أساسيات طلب ضعيفة على الورق، ومخاطر إمداد قوية على الأرض.

الأيام المقبلة ستتوقف على ثلاثة أسئلة. أولًا، هل ستخفض وكالات ومنظمات أخرى توقعاتها للطلب بنفس حدة أوبك، أم ستبقى تقديراتها أعلى؟ ثانيًا، هل ستتحول صادرات الديزل الروسية الإضافية إلى تدفق فعلي يضغط على هوامش التكرير وأسعار المنتجات؟ ثالثًا، هل ستتوسع الهجمات على الشحن في الخليج والضربات على السعودية إلى درجة تؤثر في كميات حقيقية، أم ستبقى في نطاق رفع علاوة المخاطر دون انقطاع كبير؟ إجابة هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان هبوط الثلاثاء بداية تصحيح أوسع أم مجرد استراحة في موجة صعود مدفوعة بالخطر.

تحليل الفلوس

بالنسبة لمصر، الخبر لا يُقرأ من رقم برنت وحده. مصر مستورد صافٍ للمنتجات البترولية وتستورد الغاز المسال لسد فجوات محلية في فترات الذروة، وبالتالي فإن بقاء برنت عند 104.64 دولار، حتى بعد تراجع يومي بنسبة 1.9%، يعني أن فاتورة الاستيراد تظل ثقيلة. لجنة تسعير المواد البترولية تراقب في مراجعاتها متوسطات برنت وسعر الصرف وتكلفة الاستيراد والإنتاج، وكل أسبوع إضافي فوق 100 دولار يرفع المتوسط الذي ستدخل به اللجنة اجتماعها المقبل، ويضيق هامش أي تثبيت جديد للأسعار إذا استمرت التكلفة عند هذه المستويات. خفض أوبك لتوقعات الطلب لا يقدم لمصر تخفيفًا فوريًا، لأن التخفيف الحقيقي يحتاج إلى هبوط مستدام في السعر، لا إلى توقعات طلب ضعيفة يقابلها خطر إمداد.

قفزة الغاز الأوروبي إلى 86.50 يورو لكل ميجاواط ساعة لا تقل أهمية عن برنت بالنسبة للقاهرة. أسعار الغاز الأوروبية القياسية المرتبطة بمؤشر تي تي إف تدخل عمليًا في تسعير شحنات الغاز المسال المتنافس عليها عالميًا، وعندما ترتفع في أوروبا ترتفع معها تكلفة تأمين الشحنات لمصر أو تصبح المنافسة عليها أصعب. وهذا يعني أن مصر قد تواجه في الشتاء المقبل معادلة مزدوجة: خام فوق 100 دولار يرفع تكلفة المنتجات، وغاز أوروبي مرتفع يرفع تكلفة الغاز المسال، في وقت تحتاج فيه شبكة الكهرباء والصناعة إلى إمدادات مستقرة. أي تمرير جزئي لهذه التكاليف إلى أسعار الوقود أو الكهرباء سيغذي التضخم، وأي تحمل كامل لها في الموازنة سيضغط على الدعم والعجز، وبين الخيارين تدور حسابات الحكومة الفعلية.

ما يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة محدد وواضح. أولًا، هل سيتعمق خفض توقعات الطلب في تقارير لاحقة، لأن خفضًا إضافيًا قد يكسر أخيرًا علاوة المخاطر ويدفع برنت دون 100 دولار بصورة مستدامة، وهو السيناريو الوحيد الذي يخفف فاتورة مصر فعليًا. ثانيًا، حجم تدفقات الديزل الروسية بعد التخفيف الأمريكي المؤقت، لأن وفرة الديزل قد تخفض تكلفة استيراد المنتجات حتى لو بقي الخام مرتفعًا. ثالثًا، سلامة الشحن في الخليج والبحر الأحمر، لأن أي انقطاع فعلي كبير سيعيد الأسعار إلى الصعود بسرعة ويلغي أثر ضعف الطلب. حتى تتضح هذه العوامل، تبقى أسعار النفط بالنسبة لمصر خبرًا عن التضخم المقبل وتكلفة الاستيراد أكثر من كونها خبرًا عن سوق عالمية بعيدة.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img