واصلت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية قفزاتها صباح اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، وسجل مؤشر «تي تي إف» (TTF) الهولندي — المعيار المرجعي لأسعار الغاز في أوروبا — نحو 81.34 يورو لكل ميجاوات/ساعة، مرتفعًا 3.34% خلال 24 ساعة فقط، ليستقر على بُعد خطوات من أعلى مستوياته في 12 شهرًا.
والارتفاع اليومي ليس استثناءً، بل امتداد لموجة صعود ممتدة: المؤشر الأوروبي ارتفع نحو 155% خلال 12 شهرًا، بحسب البيانات اللحظية للأسواق الصادرة صباح اليوم، في وقت تتجه فيه أوروبا بخطى سريعة نحو فصل الشتاء ومخزوناتها دون المستويات الطبيعية.
لماذا تقفز أسعار الغاز الأوروبية الآن؟
يعود الضغط الأساسي إلى اقتراب الشتاء في وقتٍ دخلت فيه أوروبا شهر أكتوبر بمخزونات لا تتجاوز نحو 71% من السعة — وهو مستوى يقل كثيرًا عن المعدلات الموسمية الطبيعية — بحسب أحدث التقييمات الأسبوعية لسوق الغاز. القاعدة المعمول بها أن المخزونات الأوروبية يجب أن تكون شبه ممتلئة بحلول نهاية أكتوبر قبل موسم السحب الشتوي، والفجوة الحالية تعني أن القارة ستظل معتمدة على شحنات الغاز المسال المستمرة طوال الشتاء.
ويزيد من حدة الأزمة أن منافسة آسيا على شحنات الغاز المسال تشتعل بدورها: ارتفع مؤشر JKM الآسيوي إلى 26.64 دولارًا للمليون وحدة حرارية في الثامن من أكتوبر، وبلغ متوسط أسعار الشحنات الفورية إلى شمال شرق آسيا نحو 25 دولارًا للمليون وحدة مطلع الشهر، وفق تقديرات وكالات الطاقة. المشترون الكوريون والبنغلاديشيون يتسابقون على تأمين شحنات ما قبل الشتاء، والأسعار الأوروبية المرتفعة تعني أن كل شحنة إضافية ستكون محل صراع بين القارتين.
والعنصر الجيوسياسي حاضر بقوة: التوترات في الشرق الأوسط تواصل التأثير على تدفقات الغاز المسال من مجمع رأس لفان القطري — أحد أكبر مصادر الغاز المسال في العالم — مع استمرار المخاطر على حركة الشحن في مضيق هرمز، ما يُبقي علاوة المخاطر الجيوسياسية مدمجة في كل سعر. وكما هي الحال في سوق النفط، حيث تجاوز برنت 104 دولارات مع شلل إنتاج خليج المكسيك، تتداخل صدمات العرض مع موسمية الطلب لتدفع الأسعار إلى مستويات قصوى.
فجوة تاريخية: أوروبا تدفع ثمانية أضعاف سعر أمريكا
على الطرف الآخر من الأطلسي، يتحرك الغاز الأمريكي في عالم مختلف تمامًا: سجل مؤشر هنري هاب (Henry Hub) الأمريكي نحو 3.36 دولارًا للمليون وحدة حرارية صباح اليوم، منخفضًا 1.75% في 24 ساعة. وبهذا تكون أوروبا تدفع — بالمكافئ الحراري — نحو 27 دولارًا للمليون وحدة، أي نحو ثمانية أضعاف السعر الأمريكي.
والفجوة ليست مفارقة نظرية؛ فهي تتحول إلى هوامش ربح طائلة للمصدّرين الأمريكيين. من يشتري الغاز بسعر هنري هاب، ثم يُسيله ويشحنه، تبلغ تكلفته الإجمالية ما بين 7 و8 دولارات للمليون وحدة وصولًا إلى أوروبا، ليبيعه بنحو 27 دولارًا. لكن القيد الحاسم أن المصدّرين الأمريكيين بلغوا سقف الطاقة الاستيعابية: متوسط الغاز الموجّه لمحطات الإسالة في أكتوبر بلغ 17 مليار قدم مكعبة يوميًا، بانخفاض عن المستويات القياسية بسبب صيانة خريفية مجدولة، ولا توجد طاقة فائضة لاستيعاب المزيد مهما ارتفعت الأسعار — وهذا ما يفسر استمرار الغلاء الأوروبي رغم وفرة الغاز الأمريكي.
ماذا يعني ارتفاع أسعار الغاز لمصر؟
مصر اليوم مستورد صافٍ للغاز الطبيعي، والعلاقة بين مؤشر TTF الأوروبي وفاتورة مصر أكثر مباشرة مما تبدو. تعاقدات مصر مع كبرى شركات الطاقة وتجار الشحن تُسعَّر بعلاوة فوق المؤشر الهولندي — بنحو 0.70 إلى 0.75 دولار فوق سعره — بحسب ما نقلته رويترز عن مصادر مطلعة في يونيو الماضي. بمعنى عملي: كل يورو يصعد به TTF الأوروبي يضيف تلقائيًا إلى سعر الشحنة التي تشتريها القاهرة.
والأرقام كبيرة: أبرمت مصر اتفاقيات لشراء ما بين 150 و160 شحنة غاز مسال عبر عامي 2025 و2026 بتكلفة تتجاوز 8 مليارات دولار بالأسعار السائدة حينها، وفق رويترز. وفي ديسمبر الماضي أفادت الشرق بلومبرج بأن الحكومة تستعد لطرح مناقصة عالمية لاستيراد نحو 100 شحنة خلال 2026 بقيمة تقديرية 5.4 مليار دولار، بسقف سعري متوسط 54 مليون دولار للشحنة الواحدة، ثم أضافت مناقصة أخرى لـ75 شحنة إضافية بقيمة 3.75 مليار دولار في فبراير استعدادًا لذروة الصيف.
والخلفية معروفة: الإنتاج المحلي تراجع بشدة — إذ انخفض إنتاج حقل ظهر نحو 25% خلال عامين لأسباب فنية — بينما سجل الطلب على الكهرباء مستويات قياسية في موجات الحر الصيفية الماضية، ما أجبر الحكومة على توجيه الوقود المتاح لمحطات الكهرباء. كما توقفت تدفقات الغاز الإسرائيلي في مارس الماضي مع تصاعد النزاع الإقليمي، لتضيف الحكومة نحو 20 شحنة طارئة إضافية لتغطية الفجوة. وبينما تراجعت أسعار النفط صباح الاثنين بعد إعلان وقف الضربات على منشآت الطاقة، ظل سوق الغاز على اشتعاله لأن صدمة العرض فيه أعمق.
ومع دخول أكتوبر، قلّصت وزارة البترول شحنات الشهر للشهر الثاني على التوالي إلى 6 شحنات مقابل 19 كانت متوقعة في البداية، مرجعةً ذلك إلى ضعف الطلب المحلي وتحسن الإنتاج المحلي. لكن صفقات الشراء متوسطة الأجل تبقى ممتدة حتى يونيو 2026، والمناقصات الشهرية مستمرة — أي أن مصر ستظل تشتري الغاز من سوق تشتعل فيه الأسعار.
تحليل الفلوس
ارتفاع أسعار الغاز الأوروبية إلى قرب أعلى مستوياتها في عام ليس خبرًا بعيدًا عن جيب المصري؛ فالغاز المسال الذي تشتريه مصر لتوليد الكهرباء وتشغيل الصناعة مُسعَّر ارتباطًا بهذا المؤشر، وفاتورة الاستيراد تتضخم تلقائيًا كلما ارتفع TTF. الحكومة انتزعت شروطًا مالية مريحة نسبيًا — تأجيل السداد لتسعة أشهر وعلاوة محدودة فوق السعر المرجعي — لكن قيمة الفاتورة نفسها لا ترحم: مليارات الدولارات المخصصة للطاقة تضغط على احتياطيات العملة الأجنبية وتزاحم البنود الأخرى في الموازنة العامة، في وقت تواجه فيه الحكومة أصلًا أزمة غلاء معيشة وتحديات في العملة.
الرسالة للمتابع المصري بسيطة: راقب ثلاثة مؤشرات في الأسابيع المقبلة. أولها مؤشر TTF نفسه كلما اشتد برد أوروبا؛ فكل قفزة تعني فاتورة أعلى للقاهرة. ثانيها أسعار الشحنات الفورية في آسيا؛ فارتفاعها يسحب الغاز بعيدًا عن أوروبا ويشعل منافسة سعرية تدفع مصر ثمنها أيضًا. وثالثها أي تحرك من وزارة البترول المصرية — مناقصات جديدة أو تعديلات في جدول الشحنات — لأنها ستكون الإشارة المبكرة إلى حجم فاتورة الشتاء. مصر اشترت استقرار شبكة الكهرباء عبر الاستيراد، وسعر هذا الاستقرار يُكتب اليوم في بورصة أمستردام قبل أن يُكتب في القاهرة.







