وقعت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية عقود تشغيل وصيانة 11 محطة من محطات تحلية المياه بطاقة تصميمية إجمالية تبلغ 485 ألف متر مكعب يوميًا، بتكلفة إجمالية تقترب من 4.6 مليار جنيه، في خطوة تنقل ملف التحلية من منطق الصيانة عند حدوث العطل إلى منطق التشغيل المخطط القابل للقياس، وبمشاركة القطاع الخاص في إدارة أصول كانت الدولة تتحمل وحدها عبء تشغيلها اليومي.
الحدث جرى بحضور المهندس أحمد عمران، نائب وزير الإسكان لشؤون المرافق، والمهندس مصطفى الشيمي، رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، بينما أكدت الدكتورة راندا المنشاوي، وزيرة الإسكان، في بيان الوزارة أن العقود الجديدة تأتي ضمن خطة أوسع تستهدف رفع طاقة التحلية في مصر إلى نحو 10 ملايين متر مكعب يوميًا بحلول عام 2050. الرقم ليس تفصيلًا جانبيًا، بل هو عنوان المرحلة المقبلة في ملف المياه الساحلية.
تحلية المياه تدخل مرحلة التشغيل الاحترافي
الفارق الجوهري في العقود الموقعة اليوم لا يقف عند قيمتها المالية، وإن كانت كبيرة. متوسط الإنفاق السنوي يبلغ نحو 1.2 مليار جنيه، وهو رقم يعكس تكلفة تشغيل وصيانة منظومة معقدة تشمل محطات ضخ وخطوط سحب بحري وأغشية تناضح عكسي ووحدات معالجة أولية ونهائية، فضلًا عن استهلاك الكهرباء وقطع الغيار والعمالة الفنية المدربة. عندما تدفع الدولة هذا المبلغ مقابل 485 ألف متر مكعب يوميًا، فإنها في الحقيقة تشتري استمرارية الخدمة في مدن لا تملك بديلًا قريبًا من نهر النيل.
الوزارة تحدثت بوضوح عن أهداف العقود: التحول من صيانة الأعطال إلى الصيانة الوقائية والمخططة، ووضع مؤشرات أداء قابلة للقياس لجودة المياه وكفاءة الطاقة ونسب الفاقد وتوافر المحطة للتشغيل، وإطالة العمر الافتراضي للأصول، ونقل الخبرة إلى كوادر شركات المياه المحلية. هذه اللغة جديدة نسبيًا في ملف المرافق المصري، لأنها تربط المقابل المالي بنتائج محددة يمكن محاسبة المشغل عليها، بدلًا من الاكتفاء بسداد فواتير تشغيل عامة.
المحطات الإحدى عشرة تتبع ثلاث شركات مياه، وتتوزع على محافظات ساحلية تعتمد على التحلية اعتمادًا أساسيًا أو مكملًا حاسمًا. أي توقف مفاجئ في واحدة منها لا يعني مجرد انخفاض ضغط في شبكة، بل يعني ضغطًا مباشرًا على أحياء كاملة وفنادق ومنشآت سياحية ومستشفيات ومدن جديدة نشأت بعيدًا عن خطوط النيل التقليدية.
خريطة محطات تحلية المياه من سيناء إلى مطروح والبحر الأحمر
التوزيع الجغرافي الذي أعلنه اللواء مهندس عاصم شكري يكشف منطق الخطة. سبع محطات تقع في شمال وجنوب سيناء بطاقة إجمالية 240 ألف متر مكعب يوميًا. في مقدمتها محطة العريش بالكيلو 17 بطاقة 100 ألف متر مكعب يوميًا، وهي وحدها تمثل أكثر من خمس الطاقة المشمولة بالعقود. وتضم القائمة مجموعة رأس سدر وأبو زنيمة ونويبع الجديدة بطاقة إجمالية 65 ألف متر مكعب، ومحطات الطور ودهب الجديدة بطاقة 45 ألف متر مكعب، ثم محطة شرم الشيخ بطاقة 30 ألف متر مكعب يوميًا.
في مطروح، تشمل العقود ثلاث محطات بطاقة 165 ألف متر مكعب يوميًا. محطة الرميلة 4 بطاقة 65 ألف متر مكعب، ومحطة الضبعة بطاقة 40 ألف متر مكعب، ومجمع الرميلة 1 و2 و3 بطاقة 60 ألف متر مكعب. هذا الثقل في الساحل الشمالي الغربي مفهوم تمامًا في ضوء النمو العمراني والسياحي الممتد من العلمين حتى مرسى مطروح، وفي ضوء مشروعات كبرى مثل محطة الضبعة النووية ومدن الجيل الرابع التي لا يمكن ربط احتياجاتها المائية بخطط قديمة.
أما المحطة الحادية عشرة فهي محطة اليسر في البحر الأحمر بطاقة 80 ألف متر مكعب يوميًا، وهي من أكبر المحطات المنفردة في القائمة بعد العريش. الغردقة والمدن السياحية المحيطة بها تعيش على التحلية منذ سنوات، وأي خلل في التشغيل ينعكس فورًا على إشغالات الفنادق وتكلفة تشغيل المنتجعات، بل وعلى قدرة المدينة على استقبال مواسم سياحية مزدحمة دون اللجوء إلى حلول طارئة مكلفة.
من 1.4 مليون متر مكعب اليوم إلى 10 ملايين في 2050
الأرقام التي أعلنتها الوزارة عن الخطة الاستراتيجية حتى 2050 تضع عقود اليوم في سياقها الصحيح. مصر لديها حاليًا نحو 129 محطة تحلية بطاقة إجمالية تقترب من 1.4 مليون متر مكعب يوميًا، ويجري تنفيذ 19 محطة أخرى بطاقة 687 ألف متر مكعب يوميًا. حتى بعد دخول المحطات الجاري تنفيذها الخدمة، ستظل الطاقة الفعلية بعيدة جدًا عن مستهدف 10 ملايين متر مكعب يوميًا.
الفجوة بين مليونين تقريبًا بعد اكتمال المشروعات الحالية و10 ملايين مستهدفة تعني أن السنوات الخمس والعشرين المقبلة ستشهد موجات متتالية من الطروحات والإنشاءات وعقود التشغيل. السوق التي تتشكل هنا ليست سوق مقاولات مؤقتة، بل صناعة كاملة تشمل التصميم والتصنيع المحلي للأغشية والمضخات وأنظمة الطاقة المرتبطة بالمحطات، فضلًا عن خدمات التشغيل والصيانة والتدريب. من يقرأ عقود 4.6 مليار جنيه اليوم عليه أن يراها كعينة أولى من سوق أضخم بكثير قادم.
الاعتماد المتزايد على تحلية مياه البحر يرتبط أيضًا بتغير معادلة الموارد المائية التقليدية. حصة مصر من مياه النيل ثابتة تاريخيًا عند 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، بينما تجاوز عدد السكان 107 ملايين نسمة، وانخفض نصيب الفرد إلى ما دون حد الفقر المائي العالمي بكثير. في المدن الساحلية، يصبح كل متر مكعب محلّى من البحر مترًا مكعبًا من مياه النيل يمكن توجيهه إلى الدلتا والصعيد والاستخدامات الزراعية والصناعية الداخلية.
لماذا تدخل شركات خاصة في التشغيل والصيانة؟
نموذج إسناد التشغيل والصيانة للقطاع الخاص لا يعني بيع المحطات ولا التخلي عن ملكيتها العامة. الأصول تظل مملوكة للدولة وشركاتها، بينما يتولى المشغل الخاص الإدارة اليومية وفق مؤشرات أداء محددة وفترات تعاقد قابلة للتجديد أو الإنهاء بحسب النتائج. هذا النموذج شائع عالميًا في محطات التحلية الكبرى، لأن تشغيل أغشية التناضح العكسي وإدارة كيماويات المعالجة وضبط استهلاك الطاقة يحتاج خبرات متخصصة تراكمت لدى شركات عملت في أسواق الخليج وشمال أفريقيا.
بالنسبة للحكومة، الميزة المباشرة هي تحويل تكلفة التشغيل من بند غامض داخل موازنات شركات المياه إلى عقد واضح بسعر محدد والتزامات محددة. وبالنسبة للمشغل، السوق المصرية واعدة لكنها ليست سهلة: تأخر مستحقات، وتقلب سعر الصرف، وارتفاع تكلفة استيراد قطع الغيار والكيماويات، كلها مخاطر سيحسبها أي مستثمر قبل توقيع عقد طويل. نجاح التجربة الحالية سيتوقف على انتظام السداد وشفافية قياس الأداء أكثر مما سيتوقف على نصوص العقود نفسها.
يبقى ملف الطاقة هو العقدة الأكبر في اقتصاديات التحلية. تحلية متر مكعب واحد بتقنية التناضح العكسي تستهلك في المتوسط ما بين 3 و4 كيلوواط ساعة من الكهرباء، بحسب ملوحة المياه وكفاءة المحطة. عند طاقة 485 ألف متر مكعب يوميًا، نتحدث عن استهلاك يومي يقترب من 1.7 مليون كيلوواط ساعة. أي تحسن بسيط في كفاءة الطاقة داخل هذه المحطات يوفر ملايين الجنيهات سنويًا، وأي تراجع في الكفاءة يلتهم هامش العقد سريعًا. لذلك لم يكن ذكر كفاءة الطاقة ضمن أهداف الوزارة تفصيلًا تجميليًا، بل بندًا ماليًا من الدرجة الأولى.
تحليل الفلوس
ما جرى اليوم أهم من حجمه المالي المباشر. الدولة تعترف عمليًا بأن بناء محطات التحلية لم يعد هو التحدي الوحيد، بل تشغيلها بكفاءة لعشرين وثلاثين عامًا هو التحدي الأصعب والأكثر كلفة. محطة تُبنى بمليارات ثم تُدار بصيانة رد الفعل تخسر طاقتها تدريجيًا، وترتفع تكلفة المتر المكعب فيها عامًا بعد عام، حتى تصبح عبئًا لا أصلًا منتجًا. عقود التشغيل بمؤشرات أداء قابلة للقياس، إذا طُبقت بصرامة ونُشرت نتائجها، يمكن أن تغير هذه المعادلة في سيناء ومطروح والبحر الأحمر، وهي مناطق تعتمد حياتها اليومية وسياحتها وتنميتها العمرانية على استمرار هذه المحطات دون أعطال كبرى.
بالحساب البسيط، إنفاق نحو 1.2 مليار جنيه سنويًا لتشغيل وصيانة 485 ألف متر مكعب يوميًا يعني أن تكلفة التشغيل والصيانة وحدها تدور حول 6.8 جنيه لكل متر مكعب سنويًا على أساس التشغيل الكامل، دون احتساب تكلفة الإنشاء الأصلية واستهلاك رأس المال. الرقم يبدو مرتفعًا إذا قورن بسعر بيع المياه المدعوم للمواطن، لكنه يبدو منطقيًا إذا قورن بتكلفة البديل: نقل مياه النيل لمئات الكيلومترات إلى العريش أو شرم الشيخ أو مطروح، أو توقف فنادق ومدن تعتمد على التحلية كليًا. الفجوة بين التكلفة الحقيقية والسعر المدعوم ستظل قضية مالية قائمة، وستضغط على موازنات شركات المياه ما لم تُعالج بتعريفة عادلة تدريجية أو دعم موجه واضح.
النقطة التي يجب مراقبتها في الشهور المقبلة ليست توقيع العقود، بل تقارير الأداء الأولى: هل انخفضت الأعطال المفاجئة؟ هل تحسنت جودة المياه ونسب التوافر؟ هل انتقلت الخبرة فعلًا إلى مهندسي وفنيي شركات المياه الثلاث، أم بقيت المعرفة حبيسة المشغل الخاص؟ إذا نجح هذا النموذج، فسيكون قالبًا جاهزًا لموجة التحلية الأكبر نحو 10 ملايين متر مكعب يوميًا، وستدخل شركات مصرية وأجنبية المنافسة على عقود تشغيل بمليارات إضافية. وإذا تعثر في السداد أو القياس أو الشفافية، فستدفع المدن الساحلية الثمن أولًا، وبسرعة.







