تجتمع لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي المصري مساء الخميس المقبل لحسم أسعار الفائدة، في اجتماع يصفه متعاملون في السوق بأنه الأصعب منذ شهور. أغلب المحللين الذين استطلعت آراءهم نشرة «إنتربرايز» الصباحية في 26 أكتوبر 2026 يراهنون على التثبيت عند المستويات الحالية، لكن الجديد هذه المرة أن سيناريو الرفع الدفاعي، الذي كان مستبعدًا قبل أسبوعين فقط، عاد إلى الطاولة بقوة بعدما كسر الدولار حاجز 56 جنيهًا، وتسارعت تخارجات الأجانب من سوق الدين المحلي، وهبطت البورصة إلى أدنى مستوى لها منذ مطلع أبريل.
أسعار الفائدة والبنك المركزي: أرقام الاجتماع الأخير ونقطة الانطلاق
في اجتماعه الأخير أبقى البنك المركزي على سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%. هذه المستويات هي نقطة الانطلاق يوم الخميس، وأي تحرك عنها، صعودًا أو هبوطًا، سيقرأه السوق باعتباره رسالة عن أولويات المركزي في المرحلة المقبلة: الدفاع عن الجنيه أولًا، أم حماية النمو وتكلفة خدمة الدين أولًا.
حجة التثبيت تستند أولًا إلى أرقام التضخم. التضخم العام في الحضر سجل 13.9% في سبتمبر، ما يعني أن الفارق بين سعر الفائدة الحقيقي والتضخم لا يزال مريحًا بنحو 5.1 نقطة مئوية. هذا الهامش يمنح المركزي مساحة للانتظار دون استعجال خفض أو فرض رفع فوري.
العامل الثاني هو تجميد الحكومة أسعار المحروقات حتى نهاية ديسمبر، ما يزيل أكبر صدمة سعرية متوقعة في الربع الأخير ويبقي التضخم الشهري تحت السيطرة حتى مطلع 2027، ويصعب معه بناء مبرر لرفع الفائدة بحجة التضخم وحده.
ما الذي تغير في أسبوع واحد؟ دولار فوق 56 وتخارجات بالمليارات
الصورة تغيرت من زاوية سوق الصرف والتدفقات، لا من زاوية الأسعار وحدها. الدولار سجل مستوى قياسيًا جديدًا عند 55.89 جنيهًا في تعاملات البنك المركزي يوم الأحد، بعدما تجاوز حاجز 55 جنيهًا للمرة الأولى يوم الخميس الماضي، واجتاز القمة السابقة المسجلة في 7 أبريل عند 54.73 جنيهًا. وفي تعاملات الاثنين واصل الدولار صعوده وكسر مستوى 56 جنيهًا، وهو ما تناولته «الفلوس» بالتفصيل في تغطيتها لتخارجات المستثمرين الأجانب من سوق الدين المحلي، ويمكن الرجوع إليها عبر هذا التقرير عن تخارجات الأجانب وضغطها على الجنيه.
المستثمرون الأجانب والإقليميون باعوا صافيًا 1.13 مليار دولار من أدوات الدين المحلي من الاثنين إلى الأربعاء من الأسبوع الماضي، بينما بلغت تعاملات الإنتربنك التي مولت الخروج نحو 3.1 مليار دولار على مدار الأسبوع، بحسب مصدر مصرفي نقلت عنه «إنتربرايز». ومؤشر EGX30 هبط 3.56% يوم الأحد إلى أدنى مستوى منذ مطلع أبريل.
في الوقت نفسه تسارع التضخم الشهري العام إلى 1.3% في سبتمبر مقابل 0.1% في أغسطس، والأساسي الشهري إلى 0.8% مقابل 0.3%، ما يذكر اللجنة بأن أي تمرير جديد من سعر الصرف قد يظهر سريعًا في الأسعار.
أسعار الفائدة بين التثبيت والرفع: ماذا يقول المحللون بالاسم؟
محمد أبو باشا، كبير الاقتصاديين في «إي إف جي هيرميس»، يرجح التثبيت. حجته أن تجميد أسعار الوقود يكبح التضخم، وأن أثر تراجع الجنيه على الأسعار، ما يسميه الاقتصاديون التمرير أو Pass-through، ما زال مبكرًا جدًا في ظل التقلبات الحالية، وبالتالي لا مبرر للاستعجال برفع يزيد تكلفة التمويل على الحكومة والقطاع الخاص قبل اتضاح الصورة.
منصف مرسي من «سي آي كابيتال» يذهب في الاتجاه نفسه، مستندًا إلى قراءتي التضخم الأخيرتين وتجميد الوقود. أما هبة منير من «إتش سي» فتركز على جاذبية الدين للأجنبي: عائد أذون 364 يومًا عند 25.91% يعني، بعد ضريبة 15%، عائدًا حقيقيًا يقارب 10.5% لمستثمري الاتحاد الأوروبي وأمريكا، مقابل توقعها لتضخم 2027 عند 11.5%. منير أشارت إلى أن الجنيه فقد نحو 14% أمام الدولار منذ بداية العام ونحو 5% هذا الشهر، وخفضت توقع متوسط تضخم الربع الأخير إلى نحو 13% من 14.5%، بينما رفعت توقع 2027 إلى 11.5%.
في المقابل، يحذر هاني جنينة، رئيس البحوث في «الأهلي فاروس»، من الرفع بعبارات حادة نقلتها «إنتربرايز» حرفيًا تقريبًا: الرفع «ترف لا تستطيع مصر تحمله». جنينة يرى أن الضغوط الحالية صدمات عرض عابرة لا يعالجها تشديد نقدي إضافي، وأن مدفوعات الفوائد تلتهم بالفعل نحو 60% من إيرادات الحكومة المركزية، رغم تحقيق فائض أولي قدره 4.9% في السنة المالية 2025/2026. ويضيف أن أسعار الفائدة في ممر المركزي تتجاوز نمو الناتج المحلي الاسمي بنحو 500 نقطة أساس، وهي فجوة تجعل أي رفع جديد عبئًا مباشرًا على الموازنة وعلى المقترضين.
على الطرف الآخر من الطاولة يقف صوت واحد تقريبًا يتوقع الرفع يوم الخميس: ماجد فهمي، الرئيس الأسبق لبنك التنمية الصناعية، الذي يرى أن زيادة الفائدة قد تحد من خروج الأموال الساخنة وتمنح الجنيه دعمًا سريعًا. قلة عدد أصحاب هذا الرأي لا تلغي وزنه؛ فالمركزي نفسه قد يفكر بمنطق فهمي إذا استمر نزيف التدفقات حتى مساء الخميس.
الاحتياطي والخارج: وسادة قوية وضغوط لا تهدأ
إيتن المرغوشي، التي أشار إليها استطلاع «إنتربرايز»، لفتت إلى أن الاحتياطي الأجنبي سجل مستوى قياسيًا عند 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر، وهو رقم يمنح المركزي قدرة على إدارة التقلبات دون ذعر. لكن «دويتشه بنك»، الذي يتوقع هو الآخر التثبيت عند 19%، يضع العملة في صدارة المخاطر. البنك الألماني يذكر أن الأجانب كانوا يحتفظون بأكثر من 25 مليار دولار في أذون الخزانة بنهاية يونيو، وأن مارس 2026 شهد وحده تراجعًا حادًا تراوح بين 13 و14 مليار دولار، ما يوضح حساسية هذه التدفقات لأي صدمة إقليمية أو عالمية.
دويتشه بنك رفع توقع تضخم نهاية 2026 إلى 15.7% من 14.7%، ويفترض أن زيادة الوقود المؤجلة بنطاق 10% إلى 15% انتقلت إلى الربع الأول من 2027. ويلفت إلى فجوة الموازنة: برنت حول 116 إلى 117 دولارًا، بينما بنت الموازنة حساباتها على نحو 75 دولارًا فقط.
الخارج لا يمنح القاهرة هدنة. الفيدرالي الأمريكي يتجه إلى التثبيت في 28 أكتوبر بعد رفعه في سبتمبر 25 نقطة أساس إلى 3.75% إلى 4.00%، بينما يشير استطلاع «رويترز» إلى رفع محتمل في ديسمبر، ما يعني دولارًا قويًا ومنافسة أشرس على تدفقات المحافظ.
أما الخفض، فهو خارج حسابات هذا العام لدى أغلب المحللين. دويتشه بنك يرى بداية تيسير تدريجي في الربعين الأول والثاني من 2027، بينما ترجح المرغوشي النصف الثاني من 2027 إذا هدأت التوترات. أي أن السؤال الحقيقي مساء الخميس ليس «هل يخفض المركزي؟» بل «هل يكتفي بالتثبيت، أم يضطر إلى رفع دفاعي لم يكن في خطته؟».
تحليل الفلوس
التثبيت، إذا حدث، هو الخبر الأفضل لحاملي الشهادات والمقترضين معًا على المدى القصير: عوائد الشهادات الحالية تبقى كما هي دون إعادة تسعير هابطة، وتكلفة القروض على الشركات والأفراد لا تزيد فوق مستويات مرتفعة أصلًا، ورسالة المركزي للسوق ستكون أن تراجع الجنيه في أكتوبر ظرف عابر تديره أدوات أخرى غير الفائدة. لكن ثمن التثبيت يظهر في مكان آخر؛ إذا استمر خروج الأجانب، فقد تواصل عوائد أذون الخزانة في السوق الصعود من تلقاء نفسها بحثًا عن مشترين، ويواصل الجنيه اختبار مستويات أضعف، وعندها يصبح الرفع في الاجتماع التالي أكبر وأقسى مما لو جاء مبكرًا ومحدودًا.
الرفع الدفاعي، ولو بربع أو نصف نقطة، يحمل منطقًا معاكسًا: هو محاولة لرفع أجر الانتظار بالجنيه، تهدئة وتيرة الخروج من أذون الخزانة، وإرسال إشارة حزم قبل اجتماع الفيدرالي ونهاية العام. نجاحه يتوقف على حجمه ولهجة البيان المصاحب له؛ رفع صغير بلا التزام واضح قد يقرأه السوق قلقًا لا قوة، فيدفع تكلفة خدمة الدين إلى الأعلى، والفوائد تلتهم أصلًا 60% من الإيرادات، دون أن يوقف النزيف. ما يجب مراقبته مساء الخميس ثلاثي: القرار نفسه، وصياغة البيان حول سعر الصرف والتدفقات، ثم أول عطاء أذون خزانة بعد القرار وسعر الدولار في الإنتربنك صباح الأحد؛ فالسوق، لا البيان وحده، هو من سيحكم في النهاية إن كان التثبيت كافيًا أم أن الرفع تأجل فقط.







