كشف البنك المركزي المصري عن تفاصيل جديدة في تركيبة احتياطي النقد الأجنبي بنهاية سبتمبر 2026، تُظهر مفارقة لافتة: رصيد الذهب المدرج ضمن الاحتياطي تراجع بنحو 1.6 مليار دولار في شهر واحد، ومع ذلك أنهى الاحتياطي الإجمالي الشهر عند أعلى مستوى في تاريخ البلاد. التفاصيل التي نشرتها جريدة المال تكشف كيف عوض المركزي خسائر الذهب بتوسيع حيازاته من العملات الأجنبية، في إدارة تبدو محسوبة بدقة لدعم الجنيه في وقت حساس.
أرقام سبتمبر: الذهب ينخفض والعملات ترتفع
وفق البيانات الرسمية للبنك المركزي المصري، انخفضت أرصدة الذهب المدرجة ضمن الاحتياطي الأجنبي إلى 17.456 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، مقابل 19.058 مليار دولار بنهاية أغسطس، بتراجع قدره 1.602 مليار دولار خلال شهر واحد.
في المقابل، ارتفعت حيازات العملات الأجنبية ضمن الاحتياطي إلى 39.292 مليار دولار بنهاية سبتمبر، مقابل 37.553 مليار دولار في أغسطس، بزيادة قدرها 1.739 مليار دولار — أي ما يغطي بالكامل تراجع الذهب ويزيد عليه.
أما حقوق السحب الخاصة (SDRs) فتراجعت هامشيًا إلى 602 مليون دولار مقابل 606 ملايين في أغسطس، بينما سجل صافي الاحتياطيات الدولية الإجمالي 57.348 مليار دولار مقابل 57.214 مليار في أغسطس، وهو مستوى قياسي جديد هو الأعلى في تاريخ مصر.
لماذا تراجعت قيمة الذهب في الاحتياطي؟
الإجابة الأهم هنا: المركزي المصري لم يبع ذهبه. لا توجد أي إشارة في البيانات إلى عمليات بيع. ما حدث هو تراجع قيمته السوقية، فالاحتياطي يُقيَّم بأسعار السوق الجارية، وأسعار الذهب العالمية شهدت تصحيحًا واضحًا خلال سبتمبر وأوائل أكتوبر.
فبعدما لامست الأوقية مستويات قياسية تاريخية تجاوزت 5 آلاف دولار مطلع العام، تراجعت تحت ضغط قوة الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ عقود — العائد على السندات لأجل 10 سنوات تجاوز 5.3% مطلع أكتوبر، وهو ما سحب السيولة من الأصول غير المدرة للعائد كالذهب. الأوقية هبطت إلى قرب 4,100 دولار في مطلع أكتوبر، وهو أدنى مستوى لها في نحو شهرين، قبل أن تتعافى جزئيًا فوق 4,160 دولارًا.
بمعنى أدق: الكمية ذاتها من الذهب باتت تُسعَّر بثمن أقل بالدولار، وهذا وحده يفسر الفارق البالغ 1.6 مليار دولار دون أن يعني أي تبدد في المخزون الفعلي.
كيف حقق الاحتياطي رقمًا قياسيًا رغم هبوط الذهب؟
التعويض جاء من بند العملات الأجنبية، الذي نما بنحو 1.74 مليار دولار في سبتمبر وحده. هذا التوسع يعكس تحسنًا حقيقيًا في موارد النقد الأجنبي للدولة: تحويلات المصريين بالخارج التي واصلت أداءً قويًا، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر، وإيرادات السياحة التي حققت موسمًا استثنائيًا، إلى جانب طرح السندات والصكوك الدولية.
الصورة إذن: احتياطي يزداد تنوعًا، والعملات الأجنبية تمثل الآن نحو 68.5% من الإجمالي، مقابل نحو 30.4% للذهب. وهذه التركيبة تمنح المركزي مرونة أكبر في التدخل اليومي لدعم سوق الصرف، لأن العملات الأجنبية هي الأداة الفعلية للتدخل، بينما الذهب هو مخزن القيمة طويل الأجل.
ويُنظر إلى ارتفاع الاحتياطي إلى 57.35 مليار دولار — ما يغطي أكثر من 8 أشهر من الواردات السلعية — باعتباره الرسالة الأهم للأسواق: مصر تملك وسادة نقدية كافية لمواجهة أي ضغوط، وسداد أقساط وفوائد الديون الخارجية المستحقة، في وقت يستعد فيه الاقتصاد لمراجعات صندوق النقد الدولي المرتقبة في الربع الأخير من العام.
ماذا يعني ذلك للجنيه والدولار؟
للمواطن العادي، أهم ما في هذه الأرقام ليس الذهب ولا العملات بالتفصيل، بل ما تقوله عن قدرة الجنيه على الصمود. الاحتياطي القوي يعني أن البنك المركزي لديه ذخيرة كافية للتدخل عند الحاجة، وأن استمرار سعر الدولار عند مستويات 52.2–52.5 جنيه في البنوك ليس مصطنعًا بتدخل مكلف يُنهك الاحتياطي، بل مدعوم بتدفقات حقيقية تزيد الاحتياطي شهرًا بعد شهر.
وفي الوقت نفسه، فإن تراجع قيمة الذهب في الاحتياطي يُعد تذكيرًا بأن جزءًا كبيرًا من “القوة” الظاهرة للاحتياطي في الأشهر الماضية كان مرتبطًا بأسعار الذهب المرتفعة نفسها. فعندما تراجع الذهب عالميًا، فقد الاحتياطي 1.6 مليار دولار من قيمته الورقية. لو لم تكن التدفقات الحقيقية قوية بما يكفي للتعويض، لكان الاحتياطي الإجمالي قد سجل أول تراجع منذ أشهر.
الخلاصة العملية للمستثمر والمدخر: أسعار الذهب المحلية تتحرك بالأساس مع العاملين نفسيهما — سعر الأوقية عالميًا وسعر الدولار أمام الجنيه — وهو ما ينعكس يوميًا على أسعار عيار 21 في محلات الصاغة، كما نتابع في تغطيتنا اليومية لأسعار الذهب في مصر. أما استقرار الاحتياطي القياسي فيُبقي الضغط عن الجنيه محدودًا، ويجعل التوقعات لسعر الصرف في المدى القصير مائلة للاستقرار حول المستويات الحالية.
تحليل الفلوس
ما حدث في سبتمبر هو درس عملي في إدارة الاحتياطي على الطريقة المصرية: المركزي لم يفرط في جرام ذهب واحد، لكنه سمح لقيمة الذهب الورقية بالهبوط مع السوق، وعوض الفارق — وأكثر — بتدفقات حقيقية من العملات الصعبة. هذه ليست إدارة دفاعية بل هجومية: تنويع مصادر النقد الأجنبي بحيث لا يبقى الاحتياطي رهينة لمعدن واحد مهما كان لامعًا. الرسالة المبطنة للسوق واضحة: حتى عندما يتراجع الذهب عالميًا، مصر قادرة على رفع احتياطيها إلى قمة تاريخية، لأن الآلة الحقيقية — التحويلات والسياحة والاستثمارات — تعمل بكامل طاقتها.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل. فحقيقة أن 30% من احتياطي البلاد مرتبط بسعر أوقية يتقلب آلاف الدولارات في أشهر تعني أن “الرقم القياسي” هش جزئيًا: موجة تصحيح أعمق للذهب قد تمحو المكاسب الورقية بسرعة. من هنا، الاختبار الحقيقي للمركزي ليس في بلوغ 57.35 مليار دولار، بل في مواصلة بناء بند العملات الأجنبية الحقيقي — الصادرات والسياحة وتحويلات العاملين — لأنها وحدها التي تصمد عندما يهبط الذهب ويشتد الدولار معًا. والمشهد القادم حاسم: محضر اجتماع الفيدرالي الأمريكي المنتظر اليوم، وبيانات التضخم الأمريكية في 14 أكتوبر، ومراجعتا صندوق النقد لمصر في الربع الرابع التي تفتح الباب لنحو 2.3 مليار دولار — كلها متغيرات ستحدد ما إذا كان الاحتياطي سيواصل صعوده أم سيواجه أول اختبار جدي منذ أشهر.
المصدر: جريدة المال (عالم البيزنس) عن بيانات البنك المركزي المصري، 7 أكتوبر 2026.






