أعلن البنك المركزي المصري، الخميس الأول من أكتوبر 2026، أن صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي المصري قفز إلى 31.2 مليار دولار بنهاية أغسطس الماضي، وهو أعلى مستوى يسجله المؤشر منذ يناير 2020. الرقم لم يمر مرور الكرام على الأسواق، لأنه يقيس شيئًا جوهريًا: قدرة الجهاز المصرفي على الوفاء بالتزاماته بالعملة الأجنبية، ومدى ما يملكه فعلًا من دولارات فوق ما عليه من التزامات بها.
وفق البيانات الصادرة عن البنك المركزي، والتي نشرتها «خلف الحدث» والقرار المصري بتفصيل كامل، توزع الرقم الإجمالي على النحو التالي: صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك العاملة في السوق المحلية بلغ 12.4 مليار دولار، بينما بلغ صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي المصري نفسه 18.8 مليار دولار. الاثنان معًا يشكلان ما يسمى «المركز الخارجي» للجهاز المصرفي.
يعني إيه «صافي الأصول الأجنبية»؟
المصطلح يبدو معقدًا، لكن فكرته بسيطة. تخيل ميزانية أي بنك: في جانب توجد أصوله بالعملات الأجنبية (ودائع بالدولار واليورو، استثمارات في أدوات دولية، احتياطيات)، وفي الجانب الآخر توجد التزاماته بالعملات الأجنبية (ودائع أجنبية مستحقة لعملاء، قروض خارجية). صافي الأصول الأجنبية هو الفرق بين الاثنين.
لو كانت الأصول أكبر من الالتزامات، فالرقم موجب — وهو ما يحدث الآن. ولو كانت الالتزامات أكبر، فالرقم سالب، وكان هذا هو الوضع المؤلم الذي عاشته مصر بين فبراير 2022 ومايو 2024، حين غرقت البنوك في عجز بالعملة الأجنبية واضطرت لتأجيل فتح الاعتمادات المستندية للمستوردين. عودة الرقم إلى المنطقة الموجبة، ثم صعوده إلى أعلى مستوى في ست سنوات، يعني باختصار: الجهاز المصرفي المصري صار لديه دولارات فعلية تفوق التزاماته الدولارية، وليس العكس.
منين جت الزيادة؟ ماكينة التحويلات والاحتياطي القياسي
الزيادة لم تهبط من السماء. المصدر الأهم هو تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي واصلت تحطيم الأرقام القياسية. وفق بيانات البنك المركزي، بلغت التحويلات 29.7 مليار دولار في الشهور السبعة الأولى من 2026، بزيادة 28.1% على أساس سنوي. وعن السنة المالية 2025/2026 كاملة، سجلت التحويلات 47.3 مليار دولار بنمو 29.6% — رقم لم يتحقق في تاريخ مصر من قبل.
الرافع الثاني هو صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي، الذي وصل إلى 57.2145 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، وفق إعلان المركزي في 7 سبتمبر، وهو أعلى مستوى تاريخي للاحتياطي على الإطلاق. والرافع الثالث هو عودة الأموال الساخنة إلى أدوات الدين المحلية؛ إذ عادت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية بقوة مع استقرار الجنيه وجاذبية العائد، وهو الملف الذي تناولناه بالتفصيل في تقريرنا عن حيازات الأجانب من أذون الخزانة.
| المؤشر | الرقم | التاريخ |
|---|---|---|
| صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي | 31.2 مليار دولار | نهاية أغسطس 2026 |
| صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك | 12.4 مليار دولار | نهاية أغسطس 2026 |
| صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي | 18.8 مليار دولار | نهاية أغسطس 2026 |
| صافي الاحتياطيات الدولية | 57.2145 مليار دولار | نهاية أغسطس 2026 (أعلى مستوى تاريخي) |
| تحويلات المصريين بالخارج | 29.7 مليار دولار (+28.1%) | يناير – يوليو 2026 |
| تحويلات السنة المالية 2025/2026 | 47.3 مليار دولار (+29.6%) | يوليو 2025 – يونيو 2026 |
| سعر الفائدة (إيداع / إقراض) | 19% / 20% | قرار لجنة السياسة النقدية 24 سبتمبر 2026 |
الضربة اللي امتصها الاقتصاد: خسارة 8 مليارات في شهرين ثم التعافي
للرقم سياق لا يقل أهمية عن الرقم نفسه. وفق حسابات وكالة رويترز التي تابعت الملف، كان صافي الأصول الأجنبية عند 29.54 مليار دولار في نهاية يناير 2026، أي قبل اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير. الحرب فجرت موجة خروج للأموال الأجنبية من السوق المصرية: تراجع الرقم 2.12 مليار دولار في فبراير، ثم خسر 6.07 مليار دولار دفعة واحدة في مارس ليهبط إلى 21.34 مليار.
رويترز أوضحت أن الحرب رفعت فاتورة واردات الطاقة وأضعفت إيرادات السياحة، ودفعت مليارات الدولارات من المحافظ الاستثمارية إلى الخروج. ورغم ذلك، امتص الاقتصاد الصدمة في خمسة أشهر فقط: ارتفع الرقم بنحو 9.9 مليار دولار عن قاع مارس، وتجاوز مستوى ما قبل الحرب بنحو 1.7 مليار دولار، ليسجل في أغسطس أعلى مستوى له منذ يناير 2020.
هذا التحول جذري إذا تذكرنا أين كنا: صافي الأصول الأجنبية لمصر تحول إلى السالب في فبراير 2022 ولم يعد إلى المنطقة الموجبة إلا في مايو 2024، بعد الخفض الحاد لقيمة الجنيه في مارس من ذلك العام، وفق رويترز أيضًا. من السالب العميق إلى 31.2 مليار موجب في أقل من عامين ونصف — هذه هي المسافة التي قطعها الجهاز المصرفي.
طيب.. ده معناه إيه للدولار والمواطن العادي؟
أولًا، استقرار سوق الصرف. الجهاز المصرفي الذي يملك صافي أصول أجنبية موجبة بهذا الحجم يستطيع تلبية طلبات الاستيراد وتحويلات الأفراد دون اللجوء إلى قيود، وهذا ما نراه عمليًا: الدولار يتداول دون حاجز 52 جنيهًا، وأنهى تعاملات نهاية سبتمبر عند مستويات أقل من بداية الشهر في عدد من البنوك، مسجلًا أعلى سعر للبيع 51.85 جنيهًا في مصرف أبوظبي الإسلامي والبنك المصري الخليجي.
ثانيًا، السياسة النقدية. لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي قررت في اجتماعها يوم 24 سبتمبر 2026 تثبيت سعر الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراض. التثبيت في هذا التوقيت يعكس ثقة المركزي في أن الضغوط على الجنيه تراجعت، وأن التضخم يسير في المسار المطلوب — وهو قرار لا يتخذه بنك مركزي قلق على احتياطياته. الاجتماعان المتبقيان للجنة في 2026 يعقدان في 29 أكتوبر و17 ديسمبر، وستتابعهما الأسواق بحثًا عن إشارات خفض محتمل.
ثالثًا، برنامج صندوق النقد. هذا الملف جزء من قصة أوسع: برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، الذي تناولنا مراجعاته الأخيرة في تغطيتنا لمراجعات الصندوق. اختفاء السوق السوداء وإعادة بناء الاحتياطيات كانا من شروط الصندوق الأساسية، ووصول صافي الأصول الأجنبية إلى هذا المستوى يعزز موقف مصر التفاوضي قبل المراجعات المقبلة.
الجانب اللي الرقم مش بيقوله
الأمانة تقتضي ألا نبالغ. صافي الأصول الأجنبية يقيس الكم لا الجودة: جزء من هذه الدولارات أموال قصيرة الأجل — محافظ استثمارية قد تعود أدراجها عند أول اهتزاز جيوسياسي، كما حدث بالضبط في فبراير ومارس الماضيين. صندوق النقد الدولي نفسه حذر في تقاريره من اعتماد التمويل المصري على آجال استحقاق قصيرة، وهو تحذير يستحق أن يُؤخذ بجدية.
الاختبار الحقيقي ليس حجم الرقم في لحظة بعينها، بل قدرة الاقتصاد على توليد تدفقات دولارية مستدامة: صادرات حقيقية، سياحة، تحويلات، واستثمار أجنبي مباشر. حينها فقط يتحول صافي الأصول الأجنبية من «وسادة أمان» إلى جزء من منظومة استقرار دائمة. الرقم المعلن اليوم خبر سار بلا شك — لكنه بداية الطريق، لا نهايته.







