بعد توقف دام أكثر من 30 شهرًا، تستعد وزارة التموين والتجارة الداخلية لاستئناف بيع القمح المستورد عبر البورصة المصرية للسلع، في خطوة وصفتها تقارير دولية متخصصة بأنها محاولة حكومية لكبح جماح الأسعار وضمان إمداد المطاحن الخاصة بالحبوب، في وقت تنهار فيه واردات مصر من القمح إلى مستويات غير مسبوقة.
ويُعد القرار تحولًا مهمًا في سياسة إدارة ملف القمح في مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، حيث تُعتبر أسعار القمح والدقيق مدخلًا مباشرًا لأي تحرك في معدلات التضخم، التي سجلت 13.9% في أغسطس الماضي وفق بيانات التضخم الأخيرة، وتظل أسعار الغذاء على رأس أولويات الشارع المصري.
تفاصيل الجلسة الأولى: 10 آلاف طن من القمح بسعر أقل من السوق الحرة
بحسب ما نشرته منصتا UkrAgroConsult وAgriInsite المتخصصتان في أسواق الحبوب، من المقرر طرح نحو 10 آلاف طن من القمح المستورد في الجلسة الأولى من الاستئناف، بسعر يتراوح بين 16,600 و16,650 جنيهًا للطن، أي ما يعادل نحو 320 دولارًا للطن.
وهذا السعر يقل عن المستوى السائد في السوق الحرة حاليًا، الذي يتراوح بين 16,900 و17,000 جنيه للطن، بفارق يصل إلى نحو 300 جنيه في الطن الواحد، وهو فارق كان مقصودًا لضمان إقبال المطاحن على الشراء من البورصة بدلًا من السوق المفتوحة.
ووضعت الوزارة سقفًا لمشتريات كل مطحنة في الجلسة الواحدة، يتراوح بين 250 و500 طن، بما يضمن توزيعًا عادلًا للكميات المتاحة على أكبر عدد ممكن من المطاحن، ويمنع استحواذ عدد محدود منها على المعروض.
اتفاق التموين مع المخابز والمطاحن على إتاحة القمح دوريًا
وقبل أيام من الإعلان عن الاستئناف، عقد الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، اجتماعًا للأسبوع الثاني على التوالي مع ممثلي الشعبة العامة للمخابز وغرفة صناعة الحبوب، لمتابعة تطورات سوق الدقيق الحر والخبز الحر والفينو.
وتم الاتفاق خلال الاجتماع، بالتنسيق مع الشعبة العامة للمخابز وغرفة صناعة الحبوب، على إتاحة كميات من الأقماح بصورة دورية عبر البورصة السلعية لإنتاج الدقيق الحر، وفقًا لاحتياجات السوق ومعدلات الطلب، بما يدعم توافر مستلزمات الإنتاج ويضمن انتظام إمدادات الدقيق المستخدم في إنتاج الخبز الحر والفينو.
وأكد وزير التموين استمرار عقد اجتماعات دورية مع ممثلي قطاع المخابز وصناعة الحبوب بواقع اجتماع واحد على الأقل شهريًا، لمتابعة حركة تداول القمح والدقيق الحر والكميات المتاحة بالأسواق.
انهيار واردات القمح: سبتمبر يهبط 76.6% و”جات” لا تستلم أي شحنات
يأتي قرار استئناف البيع في البورصة السلعية على خلفية تراجع حاد في واردات مصر من القمح، إذ بلغت الواردات خلال شهري يوليو وأغسطس نحو 480 ألف طن فقط، مقارنة بـ1.95 مليون طن في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بانخفاض يتجاوز 75%.
وازدادت الأزمة حدة في سبتمبر الماضي، حيث انخفضت واردات القمح بنسبة 76.6% على أساس سنوي، بينما لم تستلم الهيئة العامة للسلع التموينية (GASC)، المشتري الحكومي الرسمي، أي شحنات مستوردة خلال ذلك الشهر على الإطلاق.
وتُشير البيانات إلى أن جهاز “مستقبل مصر” للتنمية المستدامة والهيئة العامة للسلع التموينية لم يبرما أي تعاقدات جديدة على القمح منذ مايو الماضي، ما ترك شركات القطاع الخاص وحدها في مواجهة سوق استيراد مضطربة.
أسباب الأزمة: اضطرابات البحر الأسود وضغوط اللوجستيات
تعود جذور الأزمة، وفق التقارير المتخصصة، إلى مشكلات في الإمدادات من روسيا وأوكرانيا، البلدين اللذين يعتمد عليهما السوق المصري بشكل شبه كامل، إذ يستحوذان معًا على نحو 80% من واردات مصر من القمح، بواقع 60% لروسيا و20% لأوكرانيا.
القتال الدائر حول البحر الأسود عطل شحنات الحبوب، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، ودفع جهات حكومية إلى إيقاف المشتريات الجديدة مؤقتًا بعد أن كثفت وارداتها في النصف الأول من العام، حين استوردت مصر نحو 7.7 مليون طن بزيادة 48% عن الفترة المقابلة، لتأمين مخزون استراتيجي تحسبًا لتفاقم الأوضاع.
ماذا يعني القرار لأسعار الدقيق والخبز؟
تستهدف الخطوة الحكومية بشكل مباشر تخفيف الضغط على أسعار الدقيق الحر، الذي يُستخدم في إنتاج الخبز الحر والفينو والمكرونة والحلويات، وهي منتجات يعتمد عليها ملايين الأسر المصرية يوميًا خارج منظومة الدعم.
وتوقع ممثلو الصناعة انخفاض أسعار الدقيق بنحو 500 إلى 1,000 جنيه للطن نتيجة عودة القمح الحكومي الأرخص إلى البورصة، بينما سجلت بعض درجات الدقيق بالفعل تراجعًا من مستويات تجاوزت 21,000 جنيه للطن إلى نطاق 19,700–20,500 جنيه للطن.
ويبقى الرهان الحقيقي هو انتظام المعروض واستمراريته: فجلسة واحدة بعشرة آلاف طن لن تحسم معركة الأسعار، لكن دورية الإتاحة التي اتفق عليها الوزير مع المطاحن قد تحول البورصة السلعية إلى صمام أمان للسوق الحر خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع اقتراب موسم الشتاء الذي يشهد عادة ذروة الاستهلاك. كما أن فتح البورصة أمام القمح المستورد بعد غياب طويل يعيد الثقة في آليات التداول المنظمة، ويمنح المطاحن الصغيرة فرصة الوصول إلى الحبوب بأسعار عادلة دون الاعتماد الكامل على الوسطاء.
تحليل الفلوس
قرار استئناف بيع القمح عبر البورصة السلعية بعد 30 شهرًا من التوقف ليس مجرد إجراء إداري، بل اعتراف صريح من الحكومة بأن سوق القمح الحر دخل منطقة الخطر. عندما تنهار الواردات بنسبة 76.6% في شهر واحد، ولا تستلم الهيئة العامة للسلع التموينية أي شحنات، فهذا يعني أن المخزون الاستراتيجي يُستهلك دون تعويض، وأن أي تأخير إضافي كان سيترجم إلى قفزات سعرية في الدقيق ثم في الخبز الحر والفينو، وهي منتجات لا يحميها الدعم وتطال جيوب الطبقة الوسطى مباشرة.
اللافت في القرار هو التسعير: طرح القمح الحكومي بسعر أقل من السوق الحرة بنحو 300 جنيه للطن رسالة واضحة بأن الهدف ليس الربح بل كبح الأسعار. والمطاحن التي كانت تدفع 17 ألف جنيه للطن في السوق المفتوحة ستحصل الآن على 16,650 جنيهًا كحد أقصى، والفارق المتوقع في الدقيق يتراوح بين 500 و1,000 جنيه للطن — رقم قد يبدو فنيًا، لكنه يعني في النهاية فرقًا ملموسًا في سعر رغيف العيش الحر وكيلو المكرونة.
ما يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة ثلاثة مؤشرات: أولًا، انتظام الجلسات وعدم اقتصارها على طرح رمزي واحد؛ ثانيًا، عودة الهيئة العامة للسلع التموينية إلى السوق العالمية للشراء قبل نفاد المخزون؛ وثالثًا، أسعار الدقيق في السوق الحرة — فإذا لم تنخفض فعليًا خلال شهر، فهذا يعني أن كميات البورصة غير كافية وأن السوق أعمق من الحل المطروح. حتى ذلك الحين، القرار خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه بداية الطريق لا نهايته.







