حسن عبد الله من العلمين: تسوية جزء من التجارة الإفريقية بالعملات المحلية خطوة عملية نحو التكامل المالي

Published:

أمس السبت، 3 أكتوبر 2026، وقف حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، أمام قادة المال والاقتصاد في القارة الإفريقية بمدينة العلمين الجديدة، ليطرح رؤية وصفها كثيرون بأنها الأكثر جرأة في ملف التكامل المالي الإفريقي منذ سنوات: التوسع في استخدام العملات المحلية في تسوية التجارة البينية بين دول القارة، بدل الاعتماد الكامل على العملات الأجنبية. الفكرة ليست جديدة، لكن طرحها هذه المرة جاء مصحوبًا بخارطة طريق عملية: البدء بتسوية جزء من المبادلات التجارية بالعملات الوطنية، خطوة تدريجية تُقاس ثم تتوسع.

جاءت تصريحات المحافظ خلال مشاركته كمتحدث رئيسي في جلسة رفيعة المستوى بعنوان «ميثاق النمو الجديد لإفريقيا في عالم مضطرب»، ضمن فعاليات منتدى «العلمين–إفريقيا للأعمال» الذي افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي بمشاركة عدد من رؤساء الدول والحكومات وقادة مجتمع الأعمال وممثلي المؤسسات المالية من مختلف أنحاء القارة. وشارك في الجلسة إلى جانب عبد الله نائب رئيس جمهورية تنزانيا، والرئيس التنفيذي للشركة الإفريقية لإعادة التأمين «Africa Re»، وتناولت الجلسة أبرز التحديات التي تواجه الاقتصادات الإفريقية وسبل تعزيز النمو المستدام ودعم التكامل المالي والاستثماري بين دول القارة.

العملات المحلية: خطوة عملية وتدريجية نحو التكامل المالي

قال المحافظ، حسب بيان أصدره البنك المركزي المصري اليوم الأحد 4 أكتوبر، إن البدء بتسوية جزء من المبادلات التجارية بالعملات المحلية يمكن أن يمثل خطوة عملية وتدريجية نحو تحقيق التكامل المالي، بما يدعم حركة التجارة والاستثمار ويعزز الروابط المالية بين دول القارة. المنطق بسيط ومباشر: معظم التجارة البينية الإفريقية اليوم تُسوَّى بالدولار أو اليورو رغم أن طرفَي الصفقة أفريقيان، ما يضيف تكلفة تحويل وعمولات ومخاطر صرف لا داعي لها، ويحرم العملات الوطنية من سيولة كان يمكن أن تدور داخل القارة بدل أن تتسرب خارجها.

التوسع في استخدام العملات المحلية لا يعني الاستغناء عن الدولار بين ليلة وضحاها — وهو ما أكده المحافظ نفسه بالحديث عن «جزء» من المبادلات لا كلها — بل يعني بناء مسار موازٍ يخفف تدريجيًا عن كاهل الاحتياطيات الأجنبية للدول الإفريقية، ويمنح البنوك المركزية أدوات إضافية لإدارة سياساتها النقدية دون أن تظل رهينة تقلبات عملة واحدة.

أموال إفريقيا تهرب منها.. ثم تعود إليها أغلى

من أقوى النقاط التي طرحها عبد الله ما يتعلق بمصير رؤوس الأموال الإفريقية نفسها: جزء كبير منها يغادر القارة إلى الأسواق المتقدمة، ثم يعود إليها — إن عاد — بتكلفة أعلى وشروط أصعب. القارة التي تملك الثروات والأسواق الواعدة تموّل في النهاية اقتصادات أخرى، ثم تستدين منها بفوائد مرتفعة. الحل من وجهة نظره ليس تقييد حركة الأموال بالقوة، بل زيادة دورانها داخل القارة عبر أسواق مالية أعمق وأكثر كفاءة، وأنظمة مصرفية أقوى، وتمويل أسهل للمشروعات الإفريقية.

وفي هذا السياق أكد المحافظ أهمية إنشاء وكالة إفريقية للتصنيف الائتماني تعكس الصورة الحقيقية للاقتصادات الإفريقية، بدل التصنيفات الحالية التي تُغالي في تسعير مخاطر القارة وترفع كلفة الاقتراض على الحكومات والشركات. مصر سبق أن طرحت هذه الفكرة في محافل إفريقية سابقة، لكن طرحها هذه المرة على لسان محافظ البنك المركزي في منتدى بهذا الحجم يعطيها وزنًا مختلفًا، ويضعها على جدول الأعمال الرسمي للقارة.

12 مليون شاب يدخلون سوق العمل.. و3 ملايين وظيفة رسمية فقط

استهل المحافظ كلمته بالرقم الأصعب في المعادلة الإفريقية: نحو 12 مليون شاب يدخلون سوق العمل في القارة الإفريقية سنويًا، في حين لا تتوفر سوى نحو 3 ملايين وظيفة نظامية. الفجوة — 9 ملايين شاب سنويًا بلا وظيفة رسمية — تمثل في الوقت نفسه أكبر فرصة وأهم مسؤولية أمام القارة، على حد تعبيره.

المعالجة التي طرحها تمر عبر تزويدهم بالتعليم والمهارات اللازمة ليتحولوا إلى قوة دافعة للنمو الاقتصادي بدل أن يمثلوا تحديًا أمامه، مع دعوة الدول الإفريقية إلى تبني سياسات اقتصادية مستقرة وقابلة للتنبؤ، ووضع أطر اقتصادية واضحة وخطط محددة قابلة للقياس، بما يعزز المصداقية ويتيح للمستثمرين والشركات رؤية واضحة لما يمكن توقعه مستقبلًا. بناء الثقة في الاقتصاد، كما قال، عنصر جوهري لجذب الاستثمارات وتحقيق النمو المستدام.

مصر تحجز موقعها: ما لا يقل عن 15 مذكرة تفاهم

على المستوى المصري، كشف عبد الله أن مصر وقعت ما لا يقل عن 15 مذكرة تفاهم للتعاون مع البنوك المركزية الإفريقية في مجالات تشمل التدريب والحوكمة، وأن البنوك المصرية تعمل على توسيع حضورها في الأسواق الإفريقية عبر فتح خطوط ائتمان وتوفير تسهيلات تمويلية، بما يدعم تطوير أسواق المال وزيادة السيولة ودعم الاستثمار داخل القارة.

الرسالة هنا مزدوجة: مصر لا تكتفي بالدعوة النظرية إلى التكامل، بل تبني أدواته عمليًا عبر الذراع المصرفية. والسياق الأوسع يدعم هذا التوجه: اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية التي دخلت حيز التنفيذ، ونظام المدفوعات والتسويات الإفريقي (PAPSS) الذي يديره بنك التصدير والاستيراد الإفريقي ويسمح بالفعل بتسوية المدفوعات بين الدول الإفريقية بعملاتها المحلية دون المرور بالدولار. فكرة المحافظ إذن ليست بديلًا عن هذه الآليات، بل دفعة سياسية لاستخدامها على نطاق أوسع وتحويلها من مشاريع تقنية إلى واقع تجاري يومي.

ماذا تعني العملات المحلية للمصري العادي؟

السؤال الذي يهم القارئ المصري: ما الذي سأجنيه أنا من تسوية التجارة الإفريقية بالعملات المحلية؟ الإجابة تبدأ من المصدرين. مصنع الملابس الجاهزة في العاشر من رمضان الذي يبيع منتجاته في كينيا أو نيجيريا يتعامل اليوم بالدولار في كل خطوة، رغم أن البضاعة مصرية والمشتري إفريقي. تسوية الصفقات بالعملات الوطنية تختصر حلقة كاملة من التحويل والعمولات، وتفتح أسواقًا كانت مغلقة بسبب صعوبة توفير الدولار — وهو ما ينعكس مباشرة على الصادرات المصرية التي تقترب من مستويات قياسية وتحتاج إلى كل سوق جديد.

ومن الجهة الأخرى، استيراد الخامات والمنتجات من الدول الإفريقية بالعملات المحلية يعني تكاليف أقل على المستورد المصري، وبالتالي أسعارًا أفضل في السوق المحلية. وقبل ذلك كله، كل صفقة تجارية إفريقية تُسوَّى خارج الدولار تخفف الضغط على احتياطي النقد الأجنبي، وتدعم استقرار سوق الصرف الذي يراقبه كل مصري يوميًا. مصر بموقعها بين المتوسط وإفريقيا، وشبكة بنوكها الممتدة، وعضويتها النشطة في التجمعات القارية، هي المرشح الطبيعي لبوابة التكامل المالي في إفريقيا — إذا نجحت في تحويل الدعوة إلى آليات عمل حقيقية.

الطريق ليس مفروشًا بالورود

الواقعية تفرض الاعتراف بأن الفكرة تواجه عقبات حقيقية: تفاوت السياسات النقدية بين الدول الإفريقية، ومحدودية قابلية تحويل بعض العملات الوطنية، وضعف البنية التحتية المصرفية في أجزاء من القارة، والحاجة إلى ثقة متبادلة لا تُبنى بالبيانات الصحفية. لهذا كان تأكيد المحافظ على البدء «بجزء» من المبادلات — لا كلها — هو الصيغة الواقعية الوحيدة: تجربة محدودة تُقاس نتائجها، ثم تتوسع إذا نجحت.

في النهاية، الرسالة التي خرجت من العلمين أمس واضحة: قارة تملك الموارد والشباب والسوق لا ينقصها إلا أن تدير أموالها بنفسها بدل أن تمررها عبر عواصم أخرى. ومصر، بحسب رؤية محافظ بنكها المركزي، تريد أن تكون في قلب هذه المعادلة لا على هامشها — بالعملات المحلية، وبمذكرات التفاهم، وبخطوط الائتمان، قبل الشعارات.

المصادر: بيان البنك المركزي المصري الصادر اليوم 4 أكتوبر 2026، والتغطيات الصحفية لكلمة المحافظ في منتدى «العلمين–إفريقيا للأعمال» (بنوك 24، الأيام المصرية).

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img