تستعد مستقبل مصر، هيئة التنمية الاقتصادية التابعة لرئاسة الجمهورية، لتولي مهمة جديدة واسعة: إدارة الأصول المعطلة وغير المستغلة التابعة لشركات قطاع الأعمال العام، في خطوة تكشفها لأول مرة مصادر حكومية رفيعة لمنصة «إنتربرايز» الاقتصادية اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، وترسم ملامح مرحلة جديدة في إدارة أصول الدولة المصرية التي تتجاوز قيمتها 2.9 تريليون جنيه.
وبحسب ما كشفه مسؤول حكومي رفيع المستوى لـ«إنتربرايز»، تدرس الحكومة توجيه الأراضي والعقارات الخاملة المملوكة لشركات قطاع الأعمال العام إلى هيئة مستقبل مصر، على أن تقتصر الخطة على الأصول غير المستخدمة التابعة للشركات غير المدرجة في برنامج الطروحات الحكومية المرتقب، أي تلك التي لن تُباع أسهمها في البورصة ضمن خطة التخارج الحكومية.
ماذا تشمل خطة مستقبل مصر الجديدة؟
وفقًا للتفاصيل التي حصلت عليها «إنتربرايز»، تتجاوز مساحة الأراضي والعقارات غير المستغلة لدى شركات قطاع الأعمال العام مليوني متر مربع، وهو مخزون ضخم من الأصول يجلس بلا عائد منذ سنوات. وتبلغ القاعدة الإجمالية لأصول القطاع نحو 2.9 تريليون جنيه موزعة على 161 شركة في العام المالي 2024/2025، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (كابماس) التي اطلعت عليها المنصة.
الخطة، كما وصفها المسؤول الحكومي، تقوم على أن تتولى مستقبل مصر تطوير هذه الأصول عبر شراكات مع مستثمرين محليين ودوليين، بدلًا من بيعها المباشر أو تركها خاملة، بما يرفع القيمة المولدة من أصول كانت في حكم «النائمة». وسبق أن بدأت الحكومة العام الماضي في حصر الأصول الحكومية غير المستغلة والمصانع المتوقفة تمهيدًا لإدخال مستثمرين من القطاع الخاص عبر صيغ الانتفاع وتقاسم الأرباح، وهو النهج نفسه الذي يُتوقع تطبيقه هنا.
من وزارة الدفاع إلى الرئاسة: صعود سريع للهيئة
القصة الأعمق هنا هي صعود هيئة مستقبل مصر نفسها. فقد دخل القانون المنظم لعملها حيز النفاذ في يوليو الماضي، بعد أن أقره مجلس النواب وصدق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي، منتقلةً بالهيئة من تبعية وزارة الدفاع إلى تبعية رئاسة الجمهورية مباشرة ككيان مستقل.
ومنذ ذلك الحين، وسّعت الهيئة نشاطها بسرعة لافتة: فقد كشفت «إنتربرايز» الشهر الماضي أن الهيئة بدأت توظيف بنك الأراضي الخاص بها في شراكات سياحية وفندقية على البحر الأحمر، لتتحول من مجرد جهة تنموية زراعية — كما بدأت — إلى لاعب اقتصادي متعدد الأذرع يمتد من الزراعة إلى السياحة، والآن إلى إدارة أصول قطاع الأعمال العام.
صندوق مصر السيادي في الصورة أيضًا
بالتوازي، كشف المسؤول الحكومي أن خطة منفصلة لا تزال مطروحة على الطاولة لنقل نحو 40 شركة حكومية إلى صندوق مصر السيادي، وإن لم تُحسم القائمة النهائية بعد. وتدرس الحكومة عمليات النقل على أساس قطاعي، وتشمل الاحتمالات وضع المحفظة الكاملة لقطاع الاتصالات — بما فيها الشركة المصرية للاتصالات — بالإضافة إلى قطاعات الغزل والنسيج والأسمدة والمعادن تحت إدارة الصندوق السيادي.
وهذا يأتي ضمن إعادة هيكلة أوسع لمحفظة شركات الدولة: فقد تجاوز عدد الشركات المملوكة للدولة 800 شركة ارتفاعًا من 709 شركات في الحصر السابق، وقد يقترب من ألف شركة مع اكتمال رسم خريطة الحيازات الإضافية، بحسب ما قاله مسؤول حكومي سابقًا. كما يجري إعادة هيكلة شركات القابضة الست التابعة لقطاع الأعمال العام وشركاتها التابعة، بينما تتحرك الشركات المرشحة للبورصة عبر قوائم مؤقتة تمهيدًا لطروحات متوقعة خلال الربع الحالي.
امتداد طبيعي لوثيقة سياسة ملكية الدولة
لا يمكن فصل هذا التطور عن سياق أوسع: فمصر تستعد لإصدار الخطة التنفيذية لوثيقة سياسة ملكية الدولة، مع استئناف برنامج الطروحات الحكومية عبر طرح 30% من بنك القاهرة في البورصة — وهو ما رصدناه في «الفلوس» أمس. الرسالة واحدة: الدولة تعيد ترتيب أوراقها الاقتصادية، فالأصول الجاهزة للسوق تذهب إلى البورصة، والأصول المعطلة تذهب إلى مستقبل مصر للتطوير، والشركات الاستراتيجية الكبرى قد تنتقل إلى الصندوق السيادي.
تحليل الفلوس
ما يحدث هنا أعمق من مجرد نقل أراضٍ من جهة إلى أخرى. الدولة المصرية تبني — بهدوء ولكن بثبات — هيكلًا جديدًا كليًا لإدارة ثروتها: بورصة للطروحات، وصندوق سيادي للشركات الاستراتيجية، وهيئة رئاسية للأصول المعطلة. هذا التقسيم الثلاثي يعني أن «التخارج» لم يعد يعني البيع فقط، بل يعني أيضًا التطوير والتشغيل عبر كيانات الدولة نفسها.
السؤال الذي يجب أن يتابعه المستثمر والمواطن معًا: هل ستنجح مستقبل مصر في تحويل مليوني متر مربع من الأراضي الخاملة إلى مشروعات منتجة فعلًا، أم ستتحول إلى مجرد مخزن جديد للأصول؟ التجربة السابقة للهيئة في البحر الأحمر مشجعة، لكن حجم المهمة هذه المرة أكبر بكثير. وما يجب مراقبته أيضًا هو القائمة النهائية للشركات الأربعين المرشحة للانتقال إلى الصندوق السيادي — فإدراج المصرية للاتصالات فيها سيكون قرارًا بحجم مختلف تمامًا عن أي قرار سابق.
المصدر: إنتربرايز (EnterpriseAM) — تصريحات حصرية لمسؤول حكومي رفيع، الاثنين 12 أكتوبر 2026.







