عادت أسعار النفط إلى الصعود بقوة صباح الجمعة 30 أكتوبر 2026، بعدما تجاوز خام برنت مستوى 116 دولارًا للبرميل، مدفوعًا بهجوم استهدف ناقلة نفط في مضيق هرمز وتصعيد الحوثيين هجماتهم على السعودية، وهو ما أعاد علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى صدارة تسعير الخام في وقت تستعد فيه السوق لاجتماع تحالف أوبك+ يوم الأحد المقبل.
أسعار النفط اليوم الجمعة بالأرقام: برنت عند 116.43 دولار وغرب تكساس فوق 103 دولارات
نقلت وكالة رويترز في التعاملات المبكرة يوم الجمعة 30 أكتوبر أن العقود الآجلة لخام برنت ارتفعت 86 سنتًا بما يعادل 0.75% لتسجل 115.74 دولار للبرميل عند الساعة 01:22 بتوقيت جرينتش، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 72 سنتًا بما يعادل 0.71% إلى 102.72 دولار للبرميل. ومع تقدم جلسة الجمعة اتسعت المكاسب أكثر، إذ سجل برنت ارتفاعًا بنحو 1.35% إلى 116.43 دولار، وارتفع غرب تكساس بنحو 1.38% إلى 103.41 دولار، وفق بيانات متداولة في السوق ظهر الجمعة. وفي قراءات أخرى متقاربة خلال اليوم نفسه، جرى تداول برنت مرتفعًا بنحو 1.03% عند 116.06 دولار، وغرب تكساس مرتفعًا بنحو 0.9% عند 102.99 دولار، في إشارة واضحة إلى تقلب لحظي مرتفع لكن الاتجاه العام ظل صاعدًا بلا لبس.
الصعود يوم الجمعة جاء بعد جلسة الخميس التي أغلقت على تراجع محدود، إذ انخفض برنت عند التسوية بنحو 0.38% إلى 114.88 دولار، وتراجع غرب تكساس بنحو 0.76% إلى 102.00 دولار، كما تناولنا في تغطيتنا السابقة حول تسوية أسعار النفط يوم الخميس ومخاوف ألغام هرمز واجتماع أوبك+.
هجوم على ناقلة في مضيق هرمز وتصعيد حوثي يرفعان أسعار النفط
العامل المباشر وراء القفزة كان ما أعلنته هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية UKMTO يوم الجمعة 30 أكتوبر عن تعرض ناقلة نفط لهجوم في مضيق هرمز، حيث جرى زرع عبوات متفجرة على الناقلة انطلاقًا من قارب صغير. المضيق الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية المنقولة بحرًا يظل أخطر نقطة اختناق في سوق الطاقة، وأي حادث فيه يترجم فورًا إلى قفزة في الأسعار حتى قبل صدور تقييم كامل لحجم الأضرار أو تأثير الحادث في حركة الملاحة.
بالتوازي مع حادث هرمز، صعّد الحوثيون هجماتهم على السعودية، وهو ما ذكرته رويترز سببًا رئيسيًا لمخاوف الإمداد يوم الجمعة. الجمع بين جبهتين في وقت واحد، هرمز من جهة والهجمات على أكبر مصدر للنفط في العالم من جهة أخرى، جعل المتعاملين يرفعون تقديرهم لاحتمالات تعطل الإمدادات خلال الأسابيع المقبلة. لهذا لم يكن صعود الجمعة حركة فنية أو مضاربة قصيرة، بل إعادة تسعير للمخاطر في سوق تعرف أن المخزونات لا تكفي لتعويض توقف ممر بحري بحجم هرمز لفترة طويلة.
قال سول كافونيك، كبير محللي الطاقة في MST Marquee، إن العمليات العسكرية حول مضيق هرمز وتراجع زخم المسارات الدبلوماسية يبقيان الأسعار مرتفعة، لأن السوق تسعر غياب حل سريع يزيل التهديد عن الملاحة. وتوقع أولي هانسن من ساكسو بنك مزيدًا من التقلب خلال الأسبوعين المقبلين.
مكاسب شهرية هي الأقوى منذ يوليو والخام في طريقه لإغلاق أكتوبر فوق 100 دولار
على أساس شهري، تتجه أسعار النفط لتحقيق رابع مكسب شهري على التوالي، وهي أطول سلسلة صعود من هذا النوع منذ فترة، مع مكاسب تعد الأقوى منذ يوليو الماضي. خام برنت مرتفع بنحو 14% خلال أكتوبر، وغرب تكساس مرتفع بنحو 15% خلال الشهر نفسه، بحسب رويترز. الأهم من نسبة الصعود أن الخامين في طريقهما لإغلاق شهر أكتوبر فوق مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ أبريل، وهو مستوى نفسي وفني يعيد تشكيل حسابات المنتجين والمستهلكين على حد سواء.
إغلاق الشهر فوق 100 دولار يعني أن فاتورة الطاقة العالمية في الربع الأخير من العام ستظل مرتفعة، وأن البنوك المركزية التي كانت تراهن على تراجع أسعار الطاقة لتخفيف التضخم ستواجه معادلة أصعب. وجاء قرار البنك المركزي المصري مساء الخميس برفع الفائدة 100 نقطة أساس إلى 20% للإيداع و21% للإقراض متزامنًا مع هذا التصاعد.
السوق تنتظر أيضًا اجتماع تحالف أوبك+ يوم الأحد المقبل، والذي سيحدد مسار الإمدادات في الفترة المقبلة. أي إشارة إلى تشديد الإنتاج أو تمديد قيود قائمة ستضيف دعمًا جديدًا للأسعار، بينما أي زيادة إنتاج أكبر من التوقعات قد تحد من موجة الصعود مؤقتًا. لكن حتى في سيناريو زيادة الإنتاج، يظل العامل الحاسم هو هرمز: قرارات أوبك+ تتحرك ببطء وعلى جداول شهرية، بينما حادث واحد في المضيق يغير التسعير في دقائق.
ماذا يعني برنت عند 116 دولارًا لمصر؟ فاتورة الاستيراد ولجنة تسعير الوقود تحت الضغط
بالنسبة لمصر، أسعار النفط عند هذه المستويات ليست خبرًا خارجيًا بعيدًا. مصر مستورد صاف للمنتجات البترولية، وكل عشرة دولارات إضافية في سعر البرميل تترجم إلى مليارات الجنيهات الإضافية في فاتورة الاستيراد ودعم الطاقة خلال عام كامل، وتضغط على الموازنة العامة وعلى احتياطي النقد الأجنبي في الوقت نفسه. استمرار برنت فوق 110 دولارات حتى نهاية العام سيعني أن البنود المرتبطة بالطاقة في الموازنة ستتجاوز التقديرات الأولية، وسيضيق هامش المناورة أمام الحكومة بين حماية الموازنة وحماية المواطن من موجة غلاء جديدة.
الضغط الثاني يصل إلى لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، التي تراجع أسعار البنزين والسولار بشكل دوري بناء على سعر البرميل عالميًا وسعر صرف الجنيه وكلفة النقل والتكرير. مع برنت عند 116 دولارًا ودولار قوي في السوق المحلية، تصبح معادلة التسعير المقبلة أصعب بكثير من مراجعات سابقة جرت عند مستويات أقل للخام. أي تأجيل لزيادة تعكس الكلفة الحقيقية يعني تحميل الموازنة فرقًا أكبر، وأي تمرير كامل للزيادة إلى المستهلك يعني موجة تضخم جديدة في النقل والغذاء والخدمات، لأن السولار يدخل في كلفة كل سلعة تتحرك على الطرق المصرية.
الضغط الثالث هو التضخم نفسه. قرار البنك المركزي المصري مساء الخميس 29 أكتوبر برفع الفائدة 100 نقطة أساس لم يأت من فراغ، بل جاء في بيئة تجمع بين دولار مرتفع ونفط فوق 115 دولارًا ومخاوف من انتقال كلفة الطاقة إلى الأسعار المحلية خلال شهري نوفمبر وديسمبر. رفع الفائدة يحاول كسر توقعات التضخم قبل أن تتجذر، لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة الاقتراض على الحكومة والقطاع الخاص، وهو ثمن تدفعه الاقتصادات المستوردة للطاقة كلما طالت موجة صعود الخام.
تحليل الفلوس
برنت عند 116 دولارًا يضع مصر أمام معادلة ثلاثية صعبة حتى نهاية العام: فاتورة استيراد أثقل، ولجنة تسعير وقود محاصرة بين الموازنة والتضخم، وبنك مركزي رفع الفائدة بالفعل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض ولا يملك رفاهية خفضها قريبًا إذا بقي النفط عند هذه المستويات. الخطورة ليست في أسبوع واحد مرتفع، بل في استمرار المتوسط الشهري فوق 110 دولارات، لأن العقود والشحنات والتسعير المحلي تتحرك على المتوسطات لا على قمم يوم واحد. إذا أغلق أكتوبر فوق 100 دولار كما تتجه الأسعار فعلًا، ثم جاء نوفمبر بمتوسط قريب من ذلك، فإن أثر الطاقة سيظهر بوضوح في قراءات التضخم الأخيرة من العام وفي أول مراجعة مقبلة لأسعار الوقود.
ما يجب مراقبته في الأيام المقبلة مرتب بوضوح: أولًا اجتماع أوبك+ يوم الأحد وما إذا كان سيضيف براميل حقيقية تهدئ السوق أم سيكتفي بإشارات لفظية. ثانيًا حركة الملاحة في مضيق هرمز بعد هجوم الجمعة، وهل سيتحول الحادث إلى نمط متكرر يرفع كلفة التأمين والشحن فوق سعر البرميل نفسه. ثالثًا المسار الدبلوماسي الذي أشار إليه المحللون، لأن أي انفراجة سياسية ستسحب علاوة المخاطر بسرعة وقد تهبط بالأسعار عدة دولارات في جلسات قليلة، بينما فشلها يبقي السوق في حالة التأهب الحالية.
نصيحتنا العملية للقارئ المصري واضحة: لا تبن قراراتك على قمة يوم الجمعة وحدها، لكن لا تتجاهل الاتجاه الشهري الصاعد أيضًا. من يملك سيارة أو نشاطًا يعتمد على النقل عليه أن يضع في حسابه احتمال زيادة مقبلة في أسعار الوقود وأن يراجع كلفته من الآن. ومن يتابع الاستثمار عليه أن يراقب أسهم الطاقة والبتروكيماويات عالميًا ومحليًا بحذر، فالتقلب الذي توقعه محللو ساكسو بنك خلال أسبوعين يعني فرصًا ومخاطر في الاتجاهين. سنواصل في الفلوس متابعة أسعار النفط يوميًا بالأرقام الموثقة، لأن هذا الملف تحديدًا هو الذي سيحدد شكل التضخم وأسعار الوقود في مصر حتى نهاية 2026.







