في منتصف جلسة الاثنين 26 أكتوبر 2026 لم تكن البورصة المصرية تشهد مجرد موجة بيع عادية، بل صداما واضحا بين قوتين كبيرتين تتحركان في اتجاهين متعاكسين تماما. على جانب الشراء وقفت المؤسسات المصرية بقوة استثنائية، سجلت صافي شراء بلغ 1.78 مليار جنيه في جلسة واحدة، بينما وقفت على الجانب الآخر المؤسسات الأجنبية بصافي بيع بلغ 1.55 مليار جنيه. الفارق بين الرقمين يشرح وحده لماذا لم تتحول خسائر الاثنين إلى انهيار جديد يشبه ما حدث يوم الأحد، ولماذا بقي المؤشر الرئيسي متماسكا نسبيا رغم الضغط البيعي العنيف الذي بدأ منذ الدقائق الأولى.
البورصة المصرية في منتصف الاثنين: تراجع يعمق جراح الأحد
حتى منتصف جلسة الاثنين كان المؤشر الرئيسي EGX30 متراجعا بنسبة 1.45% عند مستوى 48,518 نقطة، بعدما كان قد أغلق جلسة الأحد 25 أكتوبر عند 49,234 نقطة. التراجع لم يقتصر على الأسهم القيادية، بل امتد إلى كل المؤشرات تقريبا. مؤشر EGX70 متساوي الأوزان هبط بنسبة 1.42% إلى 15,066 نقطة، ومؤشر EGX100 متساوي الأوزان انخفض بنسبة 1.48% إلى 20,752 نقطة، بينما تراجع مؤشر الشريعة بنسبة 1.25% إلى 5,650 نقطة. الصورة كانت حمراء على الشاشات، لكنها لم تكن بنفس حدة الذعر الذي سيطر على جلسة الأحد.
رأس المال السوقي فقد في منتصف الجلسة نحو 53 مليار جنيه، ليصل إلى 3.725 تريليون جنيه. وفي أول ربع ساعة فقط من التداول كانت الخسارة أكبر، بنحو 63 مليار جنيه، حين هبط رأس المال السوقي إلى 3.715 تريليون جنيه، قبل أن تتدخل قوى شرائية مؤسسية وتقلص جانبا من الخسارة. اللافت أن الجلسة بدأت بهدوء نسبي، إذ انزلق السوق في بدايتها بنحو 31 مليار جنيه فقط، وتراجع EGX30 بنسبة 0.25% إلى 49,113 نقطة، ثم تعمق البيع تدريجيا مع تقدم الساعات وارتفاع وتيرة خروج الأجانب والأفراد.
خلفية الاثنين لا يمكن فصلها عن جلسة الأحد الصعبة. يوم 25 أكتوبر أغلق السوق على خسارة 171 مليار جنيه من رأس المال السوقي، وتوقفت التداولات لمدة 30 دقيقة بعدما هبط مؤشر EGX100 بنسبة 10% خلال الجلسة، في إجراء احترازي تفرضه قواعد السوق عند تجاوز حدود الهبوط القصوى. من أغلق محفظته مساء الأحد وهو يتوقع ارتدادة سريعة صباح الاثنين وجد نفسه أمام جلسة ثانية من الضغط، لكن هذه المرة كان هناك مشتر كبير حاضر منذ البداية، وغير مستعد لترك الأسعار تنزلق بلا مقاومة.
أرقام البورصة المصرية تكشف حجم الشراء المؤسسي المحلي
الأرقام الصادرة عن بيانات جلسة الاثنين 26 أكتوبر ترسم الفارق بوضوح لا يحتمل التأويل. المؤسسات المصرية اشترت أسهما بقيمة 3.63 مليار جنيه، وباعت في المقابل بقيمة 1.85 مليار جنيه، ليكون صافي تعاملاتها شراء بقيمة 1.78 مليار جنيه. هذا ليس شراء مترددا ولا عمليات متفرقة على أسهم صغيرة، بل ضخ سيولة مركزة وكبيرة في جلسة تتسم بالخوف، وفي توقيت كانت فيه أسعار كثير من الأسهم القيادية عند مستويات متدنية مقارنة ببداية الشهر.
المؤسسات العربية سارت في الاتجاه نفسه، وإن بأرقام أصغر بكثير. مشترياتها بلغت 13.53 مليون جنيه مقابل مبيعات بقيمة 10.33 مليون جنيه، بصافي شراء 3.2 مليون جنيه. وبجمع المؤسسات المصرية والعربية يصل إجمالي صافي الشراء المؤسسي المحلي والإقليمي إلى نحو 1.79 مليار جنيه في منتصف الجلسة. رقم بهذا الحجم في يوم واحد يعني أن صناديق ومديري أصول لديهم سيولة جاهزة قرروا أن مستوى الأسعار الحالي يستحق الدخول، أو أن جهات مرتبطة بالسوق رأت أن ترك المؤشر ينكسر تحت مستوى 49 ألف نقطة ثم 48,500 نقطة سيفتح بابا لذعر أوسع يصعب احتواؤه لاحقا.
المهم هنا ليس الرقم وحده، بل توقيته. الشراء المؤسسي بهذا الحجم جاء والسوق ينزف منذ الأحد، والدولار يتداول حول مستوى 56 جنيها، وهو مستوى يضغط على تقييمات الأصول وعلى شهية المخاطرة عموما، كما تابعنا في تغطية سعر الدولار الذي لامس 56 جنيها. عندما تشتري المؤسسات في مثل هذا المناخ فهي لا تراهن على جلسة واحدة، بل على أن موجة البيع الأجنبي ستنتهي عند حد معين، وأن الأسهم التي تباع اليوم بخصم كبير ستستعيد جانبا من قيمتها بمجرد استقرار سعر الصرف وهدوء الضغوط الخارجية.
المؤسسات الأجنبية على الطرف المقابل: بيع بلا تردد
في المقابل، باعت المؤسسات الأجنبية يوم الاثنين بقيمة 1.91 مليار جنيه، بينما لم تتجاوز مشترياتها 353.29 مليون جنيه، ليبلغ صافي بيعها 1.55 مليار جنيه. نسبة المشتريات إلى المبيعات عند الأجانب تكشف قرارا واضحا بتخفيف المراكز، لا مجرد إعادة موازنة بسيطة لمحافظها. كل خمسة جنيهات باعها الأجانب قابله أقل من جنيه واحد شراء، وهي معادلة لا تحدث إلا عندما يكون مدير الصندوق الأجنبي قد حسم أمره بشأن السوق في الأجل القصير.
خروج المؤسسات الأجنبية من أسواق المنطقة لا يرتبط بمصر وحدها في العادة. ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، وقوة الدولار عالميا، والتوترات الإقليمية، كلها عوامل تدفع الصناديق العالمية إلى تقليص انكشافها على الأسواق الناشئة والحدودية معا. لكن الحالة المصرية تضيف عاملا محليا خاصا، وهو القلق من مسار الجنيه بعد قفزات الدولار الأخيرة، ومن احتمالات تحرك جديد في أسعار الفائدة أو في ملف برنامج صندوق النقد. الأجنبي الذي يبيع اليوم يحسب عائده بالدولار، لا بالجنيه، ولذلك فإن أي تراجع إضافي متوقع في العملة يجعل الاحتفاظ بالسهم المصري مخاطرة مضاعفة في حساباته.
البورصة المصرية بين الأفراد البائعين والمؤسسات الملتقطة
الأفراد المصريون انضموا إلى صف البائعين يوم الاثنين، بصافي بيع بلغ 207.5 مليون جنيه، بعد مبيعات بقيمة 2.14 مليار جنيه مقابل مشتريات بقيمة 1.93 مليار جنيه. الفارق ليس ضخما مقارنة بأرقام المؤسسات، لكنه يعكس حالة الخوف التي تنتقل عادة من الشاشات الحمراء إلى قرارات صغار المستثمرين. كثير من الأفراد يبيعون في القاع خوفا من قاع أعمق، وهو سلوك تكرر في كل موجات هبوط السوق المصري خلال السنوات الماضية.
الأفراد العرب سجلوا أيضا صافي بيع بقيمة 23.93 مليون جنيه، بينما حقق الأفراد الأجانب صافي شراء هامشي لا يكاد يذكر، بلغ 48.8 ألف جنيه فقط. بذلك اكتملت صورة الجلسة: مؤسسات محلية تشتري بقوة، ومؤسسات أجنبية تبيع بقوة أكبر من شرائها بكثير، وأفراد محليون وعرب يخففون مراكزهم تحت ضغط الخسارة. ومن دون صافي الشراء المؤسسي المصري البالغ 1.78 مليار جنيه، لكانت محصلة الاثنين أقرب إلى تكرار سيناريو الأحد، بخسائر سوقية تتجاوز 100 مليار جنيه واحتمال وقف تداول جديد، كما حدث في جلسة بورصة الأحد التي خسرت 171 مليار جنيه.
أسهم صعدت رغم النزيف وأخرى دفعت الثمن
رغم اللون الأحمر العام، لم تكن كل الأسهم خاسرة في منتصف الاثنين. سهم قناة السويس لتوطين التكنولوجيا تصدر قائمة الرابحين بارتفاع 9.24% ليصل إلى 474.44 جنيه، وسهم مينا فارم للأدوية صعد بنسبة 8.10% إلى 738.86 جنيه، في إشارة إلى أن السيولة الانتقائية كانت تبحث عن قصص منفصلة عن اتجاه السوق العام، سواء لنتائج أعمال أو لمراكز مالية دفاعية في قطاع الأدوية.
على الجانب الآخر، تصدرت حقوق اكتتاب قرة قائمة الخاسرين بتراجع 14.56%، وهبط سهم إم بي للهندسة بنسبة 9.30%. حقوق الاكتتاب بطبيعتها أكثر حساسية لموجات الهبوط لأن قيمتها مرتبطة بفارق ضيق بين سعر السهم وسعر الاكتتاب، وأي انزلاق في السهم الأصلي يمحو هذا الفارق بسرعة. أما أسهم المضاربات الصغيرة فدفعت كالعادة ثمنا أكبر من الأسهم القيادية، لأن سيولتها أضعف وقاعدة مساهميها من الأفراد أوسع، وهم الفئة التي باعت يوم الاثنين.
التباين بين رابحين يقتربون من 10% وخاسرين يتجاوزون 14% في جلسة واحدة يقول إن السوق لم يعد يتحرك ككتلة واحدة. هناك فرز واضح بدأ يحدث: أسهم بلا قصة واضحة تنزلق مع كل موجة بيع، وأسهم ذات مراكز مالية قوية أو توزيعات منتظمة تجد من يلتقطها عند كل انخفاض. هذا الفرز هو عادة أول علامات تشكل القاع، لكنه لا يكفي وحده لإعلان انتهاء الهبوط، فالقاع الحقيقي يحتاج إلى توقف البيع الأجنبي نفسه، لا إلى مجرد امتصاصه يوما بعد يوم.
تحليل الفلوس
ما جرى يوم الاثنين 26 أكتوبر يستحق أن يقرأ بهدوء. عندما تمتص المؤسسات المحلية بيعا أجنبيا بقيمة 1.55 مليار جنيه وتضيف فوقه شراء صافيا يتجاوز هذا الرقم، فنحن أمام احتمالين لا ثالث لهما تقريبا. الاحتمال الأول أن صناديق مرتبطة بالدولة أو بمؤسسات مالية كبيرة ترى في الدفاع عن مستويات الأسعار الحالية مهمة استقرار، لأن كسر المؤشر بعنف لليوم الثاني على التوالي كان سيغذي ذعرا ينتقل من البورصة إلى سعر الصرف وإلى شهية الادخار بالجنيه نفسه. والاحتمال الثاني أن مديري أصول محليين يرون فرصة حقيقية عند أسعار وصلت إلى أدنى مستوياتها في نحو ستة أشهر، وبنوا مراكزهم على أن البيع الأجنبي موجة عابرة مرتبطة بعوامل خارجية أكثر منها حكما نهائيا على الشركات المصرية. الحقيقة غالبا مزيج من الاحتمالين، والدفاع والفرصة لا يتناقضان في سوق بهذا الحجم.
لكن الامتصاص له سقف، وهنا يكمن الخطر الذي يجب أن ينتبه له كل من يحتفظ بأسهم هذا الأسبوع. إذا استمر الهبوط في جلسة الثلاثاء واستمر البيع الأجنبي بنفس الوتيرة، ستبدأ مراكز الشراء بالهامش في التعرض لضغوط حقيقية، وستتحول طلبات تغطية الهامش المعروفة بالمارجن كول إلى بيع إجباري يضيف وقودا للهبوط بدلا من إطفائه. عند هذه النقطة لا تعود قوة المؤسسات المحلية وحدها كافية، لأن البيع الإجباري لا يسأل عن القيمة العادلة. كذلك فإن استمرار تراجع رأس المال السوقي بعد خسارة 171 مليار جنيه الأحد و53 مليارا إضافية حتى منتصف الاثنين يعني أن الثروة الورقية للمساهمين تآكلت في 48 ساعة بما يستحق وقفة من إدارة السوق ومن الجهات الرقابية في شرح أسباب ما يحدث وخطوات احتوائه.
ما يجب مراقبته في الأيام القليلة المقبلة محدد وواضح. أولا جلسة الثلاثاء: هل يتراجع صافي البيع الأجنبي عن مستوى المليار ونصف المليار، أم يتجدد بنفس القوة فيختبر قدرة المشتري المحلي على الصمود؟ ثانيا اجتماع البنك المركزي يوم الخميس، وأي إشارة منه بشأن الفائدة أو سعر الصرف ستنعكس فورا على شهية الأجانب قبل المحليين. وثالثا مستوى الدولار حول 56 جنيها: استقراره أو تراجعه يمنح البورصة فرصة لالتقاط الأنفاس، بينما أي قفزة جديدة فوقه ستعيد حسابات الخروج الأجنبي إلى نقطة البداية. حتى تتضح هذه العوامل الثلاثة، يبقى شراء المؤسسات المصرية بقيمة 1.78 مليار جنيه رسالة طمأنة مشروطة، لا شهادة بأن العاصفة انتهت.







