المركزي يبيع أذون خزانة بـ78.8 مليار جنيه الخميس.. وعائد السنة يقفز إلى 26.08% قبل أول مزاد بعد رفع الفائدة

Published:

باع البنك المركزي المصري، نيابة عن وزارة المالية، أذون الخزانة بقيمة إجمالية بلغت 78.845 مليار جنيه في مزاد يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، وهو المزاد الذي انعقد في اليوم نفسه الذي فاجأ فيه المركزي السوق برفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس. وبحسب بيانات البنك المركزي، قبلت وزارة المالية 1830 عرضا من المستثمرين والبنوك، مقابل مستهدف معلن قدره 110 مليارات جنيه، أي أن ما تم قبوله يعادل 71.7 في المئة فقط من المستهدف، وتبلغ قيمته بالدولار نحو 1.41 مليار دولار. الرسالة الأولى من الأرقام واضحة: الحكومة لم تأخذ كل ما عرض عليها، والمستثمرون في المقابل طلبوا عائدا أعلى بعد قرار الفائدة.

تفاصيل مزاد أذون الخزانة يوم الخميس 29 أكتوبر

توزعت المبيعات على أجلين فقط في مزاد الخميس، الأول لأجل 364 يوما والثاني لأجل 182 يوما، وهما الأجلان اللذان تراقبهما البنوك وصناديق الاستثمار باهتمام خاص لأنهما يعكسان تسعير الدين الحكومي قصير الأجل لشهر وسنة كاملين. وجاءت الحصيلة الأكبر من الأجل الأطول، بعدما فضل عدد كبير من المتعاملين تثبيت عائد مرتفع لعام كامل في يوم تغيرت فيه قواعد التسعير بالكامل، بينما تراجع الإقبال المقبول على الأجل الأقصر بصورة لافتة مقارنة بالأسبوع السابق.

في أذون 364 يوما، قبل البنك المركزي 56.334 مليار جنيه من 794 عرضا، بمتوسط عائد بلغ 26.076 في المئة، وهو الرقم الذي يقترب من 26.08 في المئة كما يتداوله السوق. وتراوحت العروض المقبولة بين حد أدنى عند 25 في المئة وحد أقصى عند 26.15 في المئة، في نطاق ضيق نسبيا يعكس اتفاقا عاما بين البنوك على مستوى التسعير الجديد بعد رفع الفائدة، مع إقبال واضح على الأجل السنوي باعتباره فرصة لتأمين عائد مرتفع قبل أي خفض محتمل للفائدة خلال العام المقبل.

عائد أذون الخزانة لأجل سنة يقفز إلى 26.08%

أما أذون 182 يوما، فقد قبل منها البنك المركزي 22.511 مليار جنيه فقط من 1036 عرضا، بمتوسط عائد بلغ 25.457 في المئة. المفارقة هنا أن عدد العروض المقبولة على الأجل القصير كان أكبر من عدد عروض الأجل السنوي، لكن القيمة المقبولة كانت أقل من نصف قيمة الأجل السنوي تقريبا. هذا التوزيع يوحي بأن كثيرا من البنوك قدمت عروضا صغيرة ومتنوعة على الستة أشهر، بينما تركزت السيولة الكبيرة والمقصودة في الأجل السنوي، حيث العائد أعلى والرؤية أوضح بعد قرار المركزي الأخير.

ويعني متوسط عائد 26.076 في المئة على أذون السنة أن المستثمر الذي يشتري اليوم بمليون جنيه يحصل على عائد سنوي يتجاوز 260 ألف جنيه قبل الضرائب والرسوم المطبقة على كل فئة من المستثمرين، وهو مستوى يجعل الأذون منافسا مباشرا لشهادات الادخار البنكية مرتفعة العائد، خصوصا للمؤسسات والشركات التي تدير سيولة كبيرة وتحتاج إلى أداة آمنة وقصيرة وقابلة للتسييل في السوق الثانوية عند الحاجة.

مقارنة أذون الخزانة مع مزاد الأسبوع الماضي

المقارنة مع مزاد الخميس السابق، الذي نشرت نتائجه في 23 أكتوبر، تكشف حجم التحرك خلال أسبوع واحد فقط. فقد كان متوسط عائد أذون 364 يوما عند 25.912 في المئة على قيمة مقبولة بلغت 68.146 مليار جنيه، فارتفع العائد بنحو 0.16 نقطة مئوية إلى 26.076 في المئة، بينما تراجعت القيمة المقبولة عن ذلك المستوى. وعلى أذون 182 يوما كان المتوسط 25.166 في المئة على 40.142 مليار جنيه، فارتفع بنحو 0.29 نقطة مئوية إلى 25.457 في المئة، في حين انخفضت القيمة المقبولة إلى 22.511 مليار جنيه، أي أنها تراجعت إلى النصف تقريبا.

ارتفاع العائد مع انخفاض الكمية المقبولة ليس صدفة. حين يرفع البنك المركزي الفائدة الأساسية إلى 20 في المئة للإيداع و21 في المئة للإقراض، يعيد كل متعامل حساباته: لماذا يقبل عائدا قريبا من المستويات القديمة إذا كانت الفائدة الرسمية نفسها صعدت نقطة كاملة؟ لذلك جاءت عروض كثيرة بأسعار أعلى، وقبلت المالية منها ما يناسب سقفها، وتركت الباقي. النتيجة مزاد أصغر من المستهدف، لكنه أصدق في التعبير عن سعر السوق الحقيقي بعد القرار.

المزاد جاء في يوم رفع الفائدة وعودة الأموال الساخنة

توقيت المزاد يمنحه أهمية إضافية. فقد انعقد يوم الخميس 29 أكتوبر، وهو اليوم نفسه الذي قررت فيه لجنة السياسة النقدية رفع الفائدة 100 نقطة أساس بصورة مفاجئة، لتصل إلى 20 في المئة للإيداع و21 في المئة للإقراض. وفي اليوم نفسه أيضا سجلت السوق الثانوية للدين عودة ملحوظة للمستثمرين الأجانب، الذين اشتروا ما قيمته 367 مليون دولار، بعد أسبوعين شهدا تخارجا بنحو 3.5 مليار دولار، وهي القصة التي تابعها موقع الفلوس بالتفصيل في تغطيته لعودة الأموال الساخنة إلى أدوات الدين المصرية.

هذا التزامن يفسر جانبا من الطلب على الأجل السنوي تحديدا. المستثمر الأجنبي الذي يعود بعد رفع الفائدة ينظر إلى عائد فوق 26 في المئة بالجنيه مع سعر صرف مستقر نسبيا باعتباره معادلة جذابة، لكنه في الوقت نفسه يختبر السوق بحذر بعد موجة خروج كبيرة. لذلك لا يمكن قراءة مزاد الخميس باعتباره حكما نهائيا على شهية الأجانب، بل باعتباره أول اختبار جزئي، لأن قرار الرفع صدر في يوم المزاد نفسه ولم يكن أمام كثير من المؤسسات وقت كاف لإعادة بناء مراكزها كاملة.

الاختبار الحقيقي يأتي يوم الأحد 1 نوفمبر، حين يطرح البنك المركزي مزاد أذون لأجلي 91 يوما و273 يوما، وهو أول مزاد ينعقد بالكامل بعد قرار رفع الفائدة وبعد أن عرف السوق أرقام مزاد الخميس. تغطية الفلوس لحركة الأسواق المصرية يوم الأحد المقبل ترصد هذا الترابط بين البورصة وسوق الدين وسعر الدولار، وسيكون حجم التغطية الأجنبية والعائد المطلوب في ذلك المزاد مؤشرا عمليا على ما إذا كانت عودة الخميس بداية اتجاه أم مجرد التقاط أنفاس.

تحليل الفلوس

قبول 78.845 مليار جنيه فقط من مستهدف 110 مليارات يعكس معادلة دقيقة تديرها وزارة المالية كل أسبوع: الحاجة إلى التمويل كبيرة ومستمرة، لكن قبول أي عائد يطلبه السوق يرفع فاتورة خدمة الدين لسنوات. حين تترك المالية جزءا من المستهدف دون تغطية، فهي تبعث رسالة انضباط سعري تقول إن هناك سقفا لن تتجاوزه، حتى لو اضطرت للعودة إلى السوق في المزاد التالي بآجال مختلفة. المخاطرة المقابلة أن تكرار القبول الجزئي يضغط على السيولة ويزاحم الائتمان، لذلك يبقى التوازن بين السعر والكمية هو جوهر إدارة الدين المحلي في المرحلة الحالية.

أما وصول عائد السنة إلى ما فوق 26 في المئة، فله وجهان. بالنسبة للمدخر والمستثمر، هو فرصة حقيقية بعائد اسمي مرتفع وأداة سيادية قصيرة، ينافس الشهادات ويتفوق على كثير منها، مع مرونة بيع الأذون قبل الاستحقاق. وبالنسبة للموازنة العامة، هو تكلفة ثقيلة: كل نقطة مئوية إضافية على إصدارات بهذا الحجم تترجم إلى مليارات الجنيهات في مدفوعات الفوائد، تلتهم جانبا متزايدا من الإيرادات وتضيق المساحة المتاحة للإنفاق على الخدمات والاستثمار العام. استمرار العوائد عند هذه المستويات لفترة طويلة يجعل خفض الدين أبطأ، مهما تحسنت مؤشرات النمو.

لذلك تتجه الأنظار إلى مزاد الأحد 1 نوفمبر بوصفه كاشفا لما بعد الصدمة. إذا جاءت تغطية قوية بعوائد مستقرة أو متراجعة قليلا، فهذا يعني أن رفع الفائدة نجح في استعادة شهية الأجانب والبنوك معا وأن مزاد الخميس كان مجرد إعادة تسعير مؤقتة. أما إذا تكرر القبول الجزئي مع عوائد أعلى، فالسوق يطلب علاوة مخاطرة إضافية رغم الرفع، وعندها ستواجه المالية اختيارات أصعب بين دفع سعر أعلى أو تقليص الاعتماد على الآجال القصيرة. في الحالتين، أرقام الأحد المقبل أهم من أي تصريح، لأنها ستكتب بالأموال لا بالكلام.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img